عبد العزيز كعكي

87

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

الإقطاع ولم تكن لأحد فهو أحق بها يملكها بما بذله في إحيائها من ماله وجهده ، وأما إذا أحيا أرضا مملوكة فإنه يعتبر ظالما مهما أقام على هذه الأرض من إحياء وإن إحياءه لهذا الأرض يعتبر ظلما . وإن جميع الأراضي غير المملوكة لأحد هي في الأصل ملكا لله ولرسوله ثم للمسلمين ، فمن أحيا أرضا من هذه الأراضي فهي له على أن لا يتحيزها أكثر من ثلاث سنوات . قال طاووس في حديثه الذي رواه الأستاذ سيد الوكيل في كتابه « 1 » : ( قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاري الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعدي ، فمن أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين ) . وقد أقطع العباس بن ربيعة دارا ليسكنها في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وذلك حقه كفرد من أمة هذا شأنها ، ولكن يبدو أن الخليفة لاحظ أن الرجل لا يملك من المال مالا يستطيع به بناء الدار عندئذ صرف له الخليفة مائة درهم لأنه أدرك أن الأرض التي أقطعها إياه لن تغني عنه شيئا ما لم يعمرها ، فأعطاه المبلغ المذكور يستعين به على بناء داره . وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يعمل بهذا الإقطاع ، فعن سعيد بن المسيب رضي اللّه عنه قال : قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين ، وذلك أن رجالا كانوا يتجزأون من الأراضي ما لا يعملون « 2 » . كما روى عمرو بن شعيب عن أبيه أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أقطع لأناس من مزينة أو جهينة ، فلم يعمروها ، فجاء قوم فعمروها ، فخاصمهم الجهنيون أو المزنيون إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقال : لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها ولكنها قطيعة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : من كان له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها وعمرها قوم آخرون فهم أحق بها . وتعتبر هذه الخطة خطة رائدة في تطور البلاد وعمرانها وأن الفرصة التي أعطاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للناس بهدف إحياء الأراضي لهي فرصة كافية لتحقيق الغرض المنشود منها ومن أخرها عن هذه المدة فقد ساعد على تأخير العمران ووقف دون تقدم العمران وبناء المدن التي حث الإسلام عليها فاستحق حينئذ أن تنزع منه الأرض وتعطى لمن يعمرها . ولو أن الإسلام ترك الناس يحتجزون الأراضي ويحوزونها من غير تعمير

--> ( 1 ) « عناية الإسلام بتخطيط المدن وعمارتها » - ( ص 120 ) . ( 2 ) « عناية الإسلام بتخطيط المدن وعمارتها » - ( ص 121 ) .