عبد العزيز كعكي
63
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
أهم مظاهر التطور العمراني والتقدم الحضري في عصر النبوة : أولا : المسجد يعتبر ظهور المسجد من أهم المظاهر العمرانية في تركيب النسيج العمراني للمدينة المنورة في عصر النبوة لما له من دور كبير في ظهور نوع مميز من النسيج العمراني الملتف حول نواة مركزية ، والذي أطلق عليه فيما بعد النسيج الدائري الذي لم يكن معروفا آنذاك بهذا المعنى الشامل ، حيث نجد أن المدينة المنورة قبل الإسلام كانت تحتوي على الكثير من التكوينات العمرانية المتفرقة والتي ارتبطت بمراكز جذب مصغرة اعتبرت كمراكز لهذه التكوينات . وقد تميزت هذه التكوينات بالصفة المؤقتة في الغالب فيزول هذا النسيج وينحل بمجرد زوال مراكز هذا الجذب والتي تتمثل في مواقع قيادات القبائل أو مراكز منابع المياه والزراعة أو طرق القوافل المتمثلة في مراكز البيع والشراء والتي كانت معروفة منذ القدم المرتبطة غالبا بطرق ومسارات التجارة ، فما ان تقل المياه أو تتلاشى الزراعة أو تظهر هناك طرق ومسارات جديدة للتجارة تؤدي إلى هجر الطرق والمسارات القديمة حتى ينحل هذا النسيج باحثا عن مقومات جديدة وسرعان ما يندمج بتلك المقومات الجديدة فيظهر هذا النسيج بقالبه الجديد وشكله المميز الذي يعكس المقومات الرئيسية الجديدة والتي أدت إلى ظهور نوع مميز من النسيج مخالفا تماما شكلا ومضمونا للنسيج السابق له . وهكذا تتوالى نوعيات مختلفة ومتتابعة من هذه التشكيلات والتكوينات العمرانية نظرا لما تقتضيه مقومات ظهور هذا النسيج المختلفة وأن ظهور المسجد بمعناه الواسع ظهر مخالفا تماما لتلك التكوينات العمرانية التي تغلب عليها الصفة المؤقتة والتي تزول بزوال مقوماتها ظهر المسجد ليكون نوعا جديدا من النسيج العمراني الذي يغلب عليه الصفة الدائمة أو الثابتة التي لا تتأثر بمؤثرات طبيعية أو بيئية ، ويعتبر المسجد هو النواة الأولى لظهور هذا النوع من النسيج العمراني ومركز تكوينه . وقد حث الإسلام على نشر المساجد ورغب في بنائها ووعد اللّه سبحانه وتعالى ببيت في الجنة لمن بناها كما جاء في حديث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه الذي قال : ( سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول - من بنى لله مسجدا بنى اللّه له كهيئته في الجنة ) « 1 » . كما رفع اللّه قدر عمارها وشهد لهم بصدق إيمانهم وأنهم هم المهتدون ،
--> ( 1 ) « دور المسجد في التربية » - د . عبد الله بن أحمد قادري - ( ص 65 ) .