عبد العزيز كعكي

104

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

رابعا : مبدأ نظام العسس في الإسلام يعتبر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أول من عس في المدينة المنورة لأنه يرى أنه مسؤول عن المسلمين ، وأن كل راع مسؤول عن رعيته . وأذكر هنا القصة المعروفة عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهي أنه خرج ذات ليلة فإذا بامرأة في دارها وحولها صبيان صغار يبكون ، وقد وضعت قدرا على النار ملأته بالماء لتوهمهم بأنه طعام ، فدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقال : يا أمة اللّه ما بال هؤلاء الصبية يبكون ؟ فقالت : بكاؤهم من الجوع ، قال : فما هذا القدر الذي على النار ، فقالت : قد جعلت منها ماء أعللهم بها حتى يناموا ، أوهمهم أن فيها شيء من دقيق وسمن . فجلس رضي اللّه عنه يبكي ثم جاء إلى دار الصدقة وأخذ منها غضارة وملأها دقيقا وسمنا وشحما وتمرا وثيابا ودراهم حتى إذا فرغ قال يا أسلم إحمل عليّ ، فقال يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك ، فقال لا أم لك يا أسلم ، أنا أحمله لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة ، فحمله على عنقه حتى أتى به بيت المرأة وأخذ القدر وجعل منه شيئا من الدقيق والشحم والتمر وجعل يحركه وينفخ تحت القدر وكانت لحيته عظيمة والدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ الطعام ، فجعل يغرف بيده ويعطيهم حتى شبعوا ثم ربط بحذائهم كأنه سبع ، ولم يزل كذلك حتى لعبوا وضحكوا ، ثم قال : يا أسلم أتدري لما ربطت بحذائهم ، قال : لا يا أمير المؤمنين ، قال : رأيتهم يبكون فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون فلما ضحكوا طابت نفسي « 1 » . وبهذا وضع رضي اللّه عنه مبدأ إقامة دور العسس المعروفة اليوم والمرتبطة بدور الشرطة في الغالب . خامسا : بناء المدن بدأ المسلمون في بناء المدن والأمصار وإقامة المساجد ودور الإمارة ومن ثم بناء المساكن التي سكنتها أفراد الجيوش الإسلامية ، ويبدو هذا واضحا في بناء مدينتي البصرة والكوفة ، والتي بنيت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . فبنيت مدينة البصرة في السنة السابعة عشر من الهجرة الموافق للسنة 638 م عندما كتب عتبة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، يستأذنه في بناء البصرة حيث لا بد للمسلمين من منزل إذا أشتت أشتوا فيه ولجأوا إليه ، فكتب له عمر يأمره ببناء منازل لهم قريبة من المراعي والماء .

--> ( 1 ) « الفاروق عمر بن الخطاب » - محمد رضا - ( ص 41 ) .