عبد العزيز كعكي

105

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

وقد وجد الموقع المناسب للبناء وفي طريق البر للريف حيث دونها منافع فيها الماء والقصباء ، فلما وصل الخبر إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالموقع المختار قال هذه أرض « بصرة » قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب ، فكتب إليه عمر أن أنزل منزلها ، فنزل منزلها وبنى مسجدها من قصب لكثرته هناك ، وبنى دار إمارتها دون المسجد في الرحبة التي يقال لها رحبة بني هاشم ، وكانت تسمى الدهناء وفيها أقيم « السجن والديوان وحمام الاسراء » بعد ذلك فكان المسلمون إذا غزوا جمعوا ذلك القصب ثم حزموه ووضعوه حتى يعودوا من الغزو فيعيدوا بناءها كما كان ، وأن هذا النوع من الإنشاء هو ما يؤكد ما أشار إليه الأستاذ محمد رضا إلى أن البصرة قد احترقت فبنوها باللبن . وقد استعمل عمر بن الخطاب عليها القائد المغيرة بن شعبة ثم أبا موسى الأشعري سنة سبعة عشر للهجرة / 638 م فبنى جامعها باللبن ودار إمارتها . وفي هذه السنة بنيت الكوفة وهي المعروفة بأرض بابل بسواد العراق وقد كان سبب بنائها ما ذكره الأستاذ محمد رضا بقوله : ( وكان سبب بنائها أن سعدا أرسل وفدا إلى عمر بالفتوح فلما رآهم عمر سألهم عن تغير ألوانهم وحالهم ، فقالوا وخومة البلاد غيرتنا ، فأمرهم عمر أن يرتادوا منزلا ينزله الناس وكتب إلى سعد أن أبعث سلمان وحذيقة رائدين فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر ) « 1 » . فأرسلهما سعد فاختارا الكوفة بالقرب من الحيرة على شاطىء الفرات الغربي فنزلا فصليا ، ودعوا اللّه تعالى أن يجعلها منزل الثبات ، ونزل سعد الكوفة وكتب إلى عمر بن الخطاب أني قد نزلت بالكوفة فيما بين الحيرة والفرات بريا وبحريا . . . إلى أن قال : ولما استقروا بها رجع إليهم ما كانوا فقدوا من قوتهم وبناها بالقصب كالبصرة . ولما أصابها الحريق بناها باللبن ، وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بني مالك ، وعلى تنزيل البصرة عاصم بن دلف أبو الحرباء ، وقدرا المناهج أربعين ذراعا وما بين ذلك عشرين ذراعا والأزقة سبعة أذرع والقطائع ستون ذراعا وأول شيء فيهما بنى مسجدها وقام في وسطهما رجل شديد النزع فرمى في كل جهة بسهم وأمر أن يبنى ما وراء ذلك ، وبنى ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على أساطين رخام من بناء الأكاسرة في الحيرة وجعلوا على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان « 2 » .

--> ( 1 ) « الفاروق عمر بن الخطاب » - محمد رضا - ( ص 178 ) . ( 2 ) « الفاروق عمر بن الخطاب » - محمد رضا - ( ص 179 ) .