عبد العزيز كعكي
543
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
وقد ظل هذا الوادي كأحد المظاهر الحيوية الهامة في يثرب آنذاك حتى بدأ التاريخ المجيد لهذا الوادي ، هذا التاريخ الذي رفع من شأنه وأعلى من مقامه أنه تاريخ قدوم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، والذي يعتبر بحق هو التاريخ الحقيقي لهذا الوادي المبارك ، فقد ورد في الأحاديث النبوية والسيرة العطرة مجموعة من الأحاديث والأخبار التي تدل على العناية التي أولاها الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لهذا الوادي المبارك والتي من أوائلها أن جعله الله تبارك وتعالى واديا مباركا ومحرما . فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بوادي العقيق يقول : « أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة » « 1 » . ونظرا لأهمية هذا الوادي في جذب السكان فقد نزلت بجواره بعض قبائل وبطون الخزرج ، ويشير الدكتور خليل السامرائي إلى منازل بني سلمة ببطونهم المختلفة فيقول : ( وكانت منطقتهم تمتد من سلع إلى وادي العقيق ) « 2 » . كما يشير المؤرخ السيد العباسي إلى أن الحدائق التي في العنابس والتي في العقيق كانت لهم « 3 » ، وكما هو معروف أن العنابس من المناطق المشهورة والمعروفة المشرفة على وادي العقيق . وقد أدرك النبي صلى اللّه عليه وسلّم أهمية هذا الوادي المبارك في توفير مقومات الحضارة وضرورة تنميته وعمارته ، حيث قام النبي صلى اللّه عليه وسلّم بإصدار أول وثيقة على هذا الوادي المبارك ، وثيقة تضمن منح بعض أجزائه إلى بلال بن الحارث لاعتماله وإصلاحه ، فقد روى ابن شبة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق ، وكتب له فيه كتابا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث ، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا ، وكتب معاوية . . . . ) « 4 » . ويلاحظ أن أساس الوثيقة النبوية قد كانت في منح بلال بن الحارث بعض أجزاء الوادي بشرط اعتمالها وإصلاحها ليتم النفع بها له وللمسلمين ، وحيث أن بلالا لم يعمل بها شيء فتركها دون إصلاح أو اعتمال مما أفسد بذلك شرط المنح النبوي له بها ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإعطائه فرصة لإصلاحها واعتمالها إلا أنه لم يقم بشيء ، ولذا أصبح غير مالك لها ، فأقطعها عمر بن الخطاب عندئذ وقسمها بين المسلمين .
--> ( 1 ) « صحيح الإمام البخاري » - كتاب الحج - ( 2 / 557 ) ، ( حديث رقم 1462 ) . ( 2 ) « المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة » - د . خليل السامرائي وثامر محمد - ( ص 23 ) . ( 3 ) « عمدة الأخبار » - السيد العباسي - ( ص 49 ) . ( 4 ) « تاريخ المدينة المنورة » - ابن شبة - ( 1 / 150 ) .