الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
259
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
وإن كان بمنزلة التبرّع - بأن كان الوالد تبرّع بأداء دين الولد في أمر المهر ؛ من دون أن يهبه شيئاً - فإذا رجع نصف المهر رجع إلى الوالد ؛ لأنّ المفروض عدم انتقاله إلى ملك الولد ، وحيث إنّ الزواج من بعض الجهات شبيه بالمعاوضة ، ولابدّ من خروج العوض عن ملك من يدخل في ملكه المعوّض ، فاللازم كون المقام من قبيل الهبة . ثانيها : أنّ ظاهر قوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ . . . « 1 » ، رجوع النصف إلى الفارض ، والفارض هو الولد ؛ لأنّ الأب يفرض المهر ولاية من قبله ، فهو من هذه الجهة كالوكالة ، ولا شكّ في أنّ فعل الوكيل بمنزلة فعل الموكّل . اللهمّ إلّاأن يقال : إنّ الأب مع فرض إعسار الولد وكون المهر عاجلًا ، يفرض المهر للولد من قبل نفسه ، فهو من قبيل المتبرّع ، فاللازم رجوع النصف إلى الوالد . ثالثها : أنّ التعبير بالضمان في غير واحدة من روايات الباب ، دليل على أنّ المهر - أوّلًا وبالذات - يتعلّق بذمّة الزوج ، والوالد يضمن عنه ضماناً بمعنى نقل الذمّة إلى الذمّة ، فإذا رجع نصف المهر ، رجع إلى من كان المهر على ذمّته أوّلًا وبالذات . إلّا أن يقال : إنّ المهر وإن ملكته الزوجة ، ولكن ملكها بالنسبة إلى نصفه متزلزل ، وبهذا الوصف ينتقل إلى ذمّة الوالد ، فإذا زال هذا النصف المتزلزل يرجعإلى ملك الضامن . فتحصّل من جميع ذلك : أنّ رجوع النصف إلى ملك الولد ، مبنيّ على أمور كلّها قابلة للمناقشة . أضف إلى ذلك : أنّ ظاهر حال الوالد التبرّع غالباً ، ولا مانع منه ؛ بأن يخرج العوض عن ملك من لا يدخل في ملكه المعوّض ، كأن يقول : « اشتر بهذا الثمن طعاماً أو ثوباً أو داراً لنفسك » وهذا أمر شائع في العرف ، ولا مانع منه عقلًا ،
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 237 .