الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

85

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )

ويمكن الجواب عنه : بأنّ ابن امّ مكتوم أو مثله ، لم يكن ساتراً لجميع بدنه عدا الوجه والكفّين ، بل كثير من الأعراب في الصدر الأوّل ، لم يكن لهم قميص ظاهراً ، وكان لهم إزار فقط ، أو شيء شبيه بثوبي الإحرام ، وكان يرى شيء كثير من صدرهم ، أو ظهرهم ، كما يستفاد من قصّة سوادة بن قيس أيضاً ، فلذا أمرهنّ بالاحتجاب عنه ، وإلّا كان النظر إلى الوجه والكفّين أمراً متعارفاً بينهم . وخامستها : ما رواه الصدوق بسنده المتقدّم في عيادة المريض ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : « اشتدّ غضب اللَّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أو غير ذي محرم منها ؛ فإنّها إن فعلت أحبط اللَّه عزّ وجلّ كلّ عمل عملته . . . » « 1 » . والظاهر أنّ ما في سنده إشارة إلى ما نقله عنه في « الوسائل » « 2 » ، وهو يشتمل على أكثر من عشر وسائط عدّة منها مجاهيل . وأمّا دلالتها فهي ظاهرة ؛ بناءً على أنّ المراد من قوله : « ملأت » هو النظر إليه متعمّدة ، لا أنّ المراد كونه عن شهوة ، وإلّا لم يجز حتّى في المحارم . هذا ما هو المستفاد من كلمات الأصحاب ، وما يدلّ عليه من الأدلّة ؛ وإن كان ذكر المسألة في كلماتهم غالباً على نحوالاختصار حتّى في « الجواهر » و « المستمسك » . ولكن الإنصاف : أنّ الذي جرت عليه السيرة قديماً وحديثاً حتّى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وما بعده من الأئمّة المعصومين عليهم السلام هو عدم ستر الوجه ، والكفّين ، وشعر الرأس ، ولذا ورد في وصف شعر النبي صلى الله عليه وآله : « أنّه كان إلى اذنيه » أو ما ورد في حديث ورود الرضا عليه السلام نيشابور في وصف ذُؤابته ، وغير ذلك ، بل عدم ستر العنق وشئ من الصدر الذي يظهر من القميص ، ولا سيّما إذا كان واسع الصدر ، وعدم ستر القدمين وشئ من الساق عندهم بعد الأمر بتقصير الثياب ، بل الظاهر عدم ستر الذراعين ؛ لأنّ الرجال لا يزالون يتوضّؤون من الأنهار وغيرها أمام أعين الناس

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة 20 : 232 ، كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات النكاح ، الباب 129 ، الحديث 2 . ( 2 ) . وسائل الشيعة 2 : 417 ، كتاب الطهارة ، أبواب الاحتضار ، الباب 10 ، الحديث 9 .