الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
سلّمنا دلالة الآيات والروايات على ما ذكروه ، ولكن كلّها أو جلّها إطلاقات وعمومات تخصّص بالأدلّة السابقة الدالّة على الجواز ؛ لأنّها صريحة أو ظاهرة في خصوص الوجه أو الكفّين ، فالترجيح لأدلّة الجواز . ثمّ إنّه قد يتوسّل من الجانبين بأمور اعتبارية واستحسانات ظنّية ، مثل ما يقال : « من لزوم العسر والحرج بستر الوجه والكفّين ، وترك النظر للمعرفة ؛ فإنّه كثيراً ما يوجب اختلالات في نظام المعيشة » . ولكنّ الإنصاف : أنّه ليس أمراً دائمياً ، وقد ذكرنا أنّ دليل العسر والحرج ، ناظر إلى العسر والحرج الشخصيين ، لا النوعيين ، مثلًا لو لزم من الصوم العسر والحرج في بعض الأيّام الحارّة في بعض السنوات لغالب الناس ، لا يكون ذلك مجوّزاً لتركه لجميع الناس ؛ حتّى من لا يكون في عسر وحرج ، فهذا الدليل غير كافٍ في إثبات المطلوب . كما أنّ القول بلزوم الفساد والفتنة من عدم ستر الوجه والكفّين ؛ وأنّ اللازم سترهما ، أيضاً استحسان ظنّي ؛ لأنّ المفروض جواز النظر لا لتلذّذ وريبة ، لا مطلقاً ، والمجتمع إن كان مجتمعاً مؤمناً يعمل بهذين الشرطين ، فلا يوجب الفتنة غالباً ، وإن كان غير مؤمن فلا يفيده شيء من هذه الأمور . أدلّة القول بالجواز في النظرة الأولى دون التكرار وأمّا القول الثالث - أي الجواز في النظرة الأولى دون التكرار ، والذي قد عرفت أنّه أضعف الأقوال - فقد استدلّ له بروايات : منها : أنّه قال الصادق عليه السلام : « أوّل نظرة لك ، والثانية عليك ولا لك ، والثالثة فيها الهلاك » « 1 » . ويحتمل كون الحديث مرسلًا ، أو حديثاً آخر للسكوني ، فراجع « الوسائل » .
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة 20 : 193 ، كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات النكاح ، الباب 104 ، الحديث 8 .