السيد محمد باقر الصدر

99

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

فلو فرضنا أنّ الحدّ الأدنى من التجارب اللازم لحصول العلم هو مائة مرّة : فعندما نتناول قرص الأسبرين في كلّ مرّة ينتابنا فيها الصداع ، ويتكرّر حصول ذلك مائة مرّة ، ونرى أنّ الصداع يزول في كلّ مرّة من هذه المرّات المائة ، فهنا يحكم العقل بأنّ من الممكن وجود علّة أخرى ( ت ) هي التي تقف وراء زوال الصداع لا تناول الأسبرين ، ولكنّه يحتمل ذلك في المرّة الأولى والثانية مثلًا ، ولكنّه لا يحتمل وجود هذه العلّة الخفيّة في تمام المرّات المائة . وهذا معنى استحالة كون الاتّفاق دائميّاً أو أكثريّاً . وإذا أردنا اللجوء إلى التعبير الأصولي ، لقلنا : إنّ العقل يعلم إجمالًا بأنّ الصدفة لم تتحقّق في إحدى هذه المرّات ، وهذه السالبة الجزئيّة المتحقّقة في مورد العلم الإجمالي بعدم تحقّق الصدفة - ولو في بعض المرّات - تنقض الموجبة الكلّيّة . وإذا انتفت الصدفة - ولو في بعض المرّات المائة - فيتعيّن حينئذٍ أن تكون ( أ ) علّة ل ( ب ) ؛ لأنّه في تلك المرّة التي يعلم فيها العقل إجمالًا بانتفاء الصدفة وعدم وجود ( ت ) ، لا يبقى سوى ( أ ) علّةً ل ( ب ) . وعليه ، يكون مرجع قاعدة استحالة الاتّفاق الدائمي إلى العلم بنقيض الموجبة الكلّيّة ، أي العلم الإجمالي بالسالبة الجزئيّة ، وهو العلم الإجمالي بعدم مصادفة اجتماع ( أ ) مع ( ت ) في مرّة من هذه المرّات ، وإن بقي احتمال اجتماعهما صدفةً في كلّ مرّة قائماً إذا تناولناه على حدة . والعلم الإجمالي بنحو السالبة الجزئيّة المردّد بين مختلف الأطراف والذي يقع ما نحن فيه أحد مصاديقه ، يمكن تصوّره على نحوين لا يخرج عنهما : أحدهما : أن نفرض أنّ منشأ العلم الإجمالي بانتفاء الصدفة في بعض المرّات - أي على نحو السالبة الجزئيّة - هو علمنا بالتمانع الذاتي بين الأشياء ،