السيد محمد باقر الصدر

98

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

القاعدة الكلّيّة - وهي أنّ الاتّفاق لا يكون غالبيّاً ودائميّاً - هل هي قاعدة أوّليّة من مدركات العقل الأوّل ، أم أنّها قاعدة مبرهن عليها ، فتكون من مدركات العقل الثاني لا الأوّل . وغاية ما يستفاد من كلماتهم أنّ هذه القاعدة قاعدةّ عقليّة ومأخوذة من العقل الأوّل ، لكن لم يتّضح من كلماتهم هل هي جزء من العقل الأوّل ومن الفطريّات أم أنّها قاعدة مبرهن عليها عن طريق بعض الأوّليّات والفطريّات . وهذا الكلام يأتي بعينه في تفسير حصول العلم بالقضايا المتواترة ، فيقال : لو لم يكن الإخبار عن وجود مكّة ناتجاً عن واقعيّة وجودها ، بل كان ناتجاً عن وجود مصلحة في الإخبار عن ذلك عند زيد وعمر و . . . للزم من ذلك أن تكون مصالحهم قد اتّفقت دائماً على الإخبار عن وجودها مع أنّها في الواقع غير موجودة ، مع العلم بأ نّه لا ربط لزوميّاً بين مصلحة أحدهما ومصلحة الآخر ، والتالي باطل ، فالمقدّم مثله في البطلان . وروّاد المنطق العقلي لم يذكروا تفسيراً آخر لحصول العلم في هذه الموارد ، إمّا غفلةً منهم ، وإمّا بسبب اعتقادهم بأنّ قاعدة استحالة الاتّفاق الدائمي من مدركات العقل الأوّل التي لا تحتاج إلى برهان . إلّاأنّ تفسير حصول العلم في القضايا التجربيّة والقضايا المتواترة على أساس هذه القاعدة التي يدّعى كونها عقليّة - سواءٌ كانت من مدركات العقل الأوّل ، أم مبرهناً عليها بالعقل الثاني - تفسيرٌ غير صحيح . ونحن عندما نقبل بهذه القاعدة ، فهذا يعني قبولنا دعوى القطع من قبل العقل بعدم اجتماع مجموعة كبيرة من الصدف ، بمعنى أنّ العقل يحتمل اجتماع ( ت ) مع ( أ ) لمرّة أو مرّتين مثلًا ، ولكنّه لا يحتمل - بل يمنع - اجتماعهما صدفةً ولمرّات كثيرة متكرّرة ، كمائة مرّة أو ألف مرّة مثلًا .