السيد محمد باقر الصدر
69
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
النتائج ، والوهم غافلٌ أثناء ذلك عمّا يدبّره له العقل . وتستمرّ عمليّة البرهان بين العقل الأوّل والثاني إلى أن يفضي الأمر إلى نتيجة تتصادم مع بعض معطيات الوهم الأوّليّة . وهنا بالتحديد يستيقظ الإنسان من غفلته ، ويعي أنّ ما قدّمه له الوهم بصفته مبادئ عقليّة ومعارف أوّليّة لم يكن كذلك ، وإنّما كان مجرّد وهم ، وهو لا يستطيع البقاء على موقفه السابق من تلك المعارف ؛ لأنّ الفرض أنّ النتيجة التي توصّل إليها العقل وتصادمت مع هذه المعارف كانت نتيجة مبرهناً عليها وموضع قبول لديه ، وحيث إنّ العقل لا يكذّب نفسه ، فلا يبقى حينئذٍ شكٌّ في أنّ ما حسبه من المعارف العقليّة الأوّليّة لم يكن كذلك . ومن باب المثال نقول : إنّ قوّة الوهم لا تتصوّر أن يكون العالم متناهياً ، بحيث يتاح للإنسان أن يصل إلى مكانٍ يمدّ يده خارجه فتقع خارج هذا العالم . ولذلك نجد أنّ هذه القوّة تقذف في نفس الإنسان وتنفث فيها بأنّ العالم غير متناهٍ . هنا يأتي العقل - كما قلنا - ليحتال على الوهم ، فيبدأ بترتيب المقدّمات والوصول إلى النتائج ، إلى أن يقيم البراهين القاطعة على تناهي الكمّيّات المتّصلة . وخلال هذه العمليّة تكون النفس بصدد مواكبة ما يجري والمصادقة عليه حتّى تصادق على النتيجة ، بينما تصادق قوّة الوهم على المقدّمات وترفض الإذعان للنتيجة . وهنا يظهر للنفس أنّ ما تلقّته بوصفه من مدركات العقل الأوّل لم يكن سوى مجرّد وهم . ومع تكرّر هذه العمليّة وانس النفس بالبرهان ، تزداد قوّتها على التمييز بين مدركات العقل الأوّل وبين مدركات الوهم ، حتّى اعتبر بعض فلاسفتنا أنّ علم المنطق هو صناعة يميّز بها بين مدركات العقل الأوّل وبين مدركات الوهم ،