السيد محمد باقر الصدر

70

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

وأنّ الغرض من تأليف هذا العلم هو ترويض النفس على هذا التمييز « 1 » . وفي ذيل الحديث عن قوّة الوهم لا بأس بالإشارة إلى أنّ السيطرة على هذه القوّة ليست بالعمليّة السهلة ، وهي مرتبطة بما يمنحه اللَّه تعالى للإنسان من قدرة على السيطرة عليها أكثر من ارتباطها بإقامة البرهان على كونها مجرّد وهم ؛ فإقامة البرهان العقلي على كون شيء وهماً لا يكفي على الإطلاق لاجتثاث جذور هذا الوهم من النفس . ومن هنا نجد أنّ الإنسان الذي يعلم - بالوجدان أو البرهان - أنّ الموتى لا يمكن أن يرقصوا أمامه ، يخيّل له عندما يذهب إلى المقبرة أنّهم يفعلون ذلك ، اللهمّ إلّاقوي الجنان ، وهذا معنى ما ذكرناه من أنّ العمليّة مرتبطة بما يمنحه اللَّه تعالى للإنسان . ومن هذه المقدّمات نخرج بنتيجة ، وهي أنّنا عندما نتحدّث عن المعرفة الوهميّة فإنّنا نقصد منها تلك المعرفة التي يحكم العقل الأوّل ببطلانها لدى إعمالنا الطريقة البرهانيّة في التفكير . وهنا نعود إلى أصل المصادرة الثانية التي ذكرناها ، وهي أن لا يكون العلم

--> ( 1 ) يبدو أنّه قدس سره يقصد من ( بعض فلاسفتنا ) الشيخ الرئيس ابن سينا ؛ فإنّه يقول : « النفس أوّل ما يترعرع تباشر الوهم الذي هو تابع الحسّ ، وبكدّ ما تفطم ما يورده عليها فيرقرقه لها ، ولكن لا بدّ لها منه على كلّ حال . ويصعب عليها قبول ما حكم به العقل عند البيان البرهاني المبني على المقدّمات الأوّليّة العقليّة ، دون الوهميّة المتّصلة ، إلى أن تتوالى عدّة البيانات والأمثلة ، فتعتاد ذلك وتعرف فضله على الوهميّات . ولولا ما تولّاه المنطق من إفراد هذه المقدّمات وشرائط البرهان عن سائر المقدّمات من الوهميّات والمشهورات والاستقرائيّات وغيرها - على ما فصّل - لكان الضلال مستولياً على كلّ أحد ؛ فأشرف به من صناعة وأخلق بمن شرّف به أن يهتدي إلى كلّ خافية » ( المباحثات : 347 ، كذا ورد النصّ ) . ومن المفيد بهذا الصدد مراجعة جواب الشيخ الرئيس عن سؤال أبي حسين أحمد السهلي ( رسائل ابن سينا : 452 )