السيد محمد باقر الصدر
55
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
الحدود ، نضع كل حدٍّ أصغر تحت الحدّ الأكبر منه . وفي هذه القائمة لدينا نوعان من الثبوت بين الحدود : أحدهما : هو ثبوت كلّ حدّ للحدّ الذي يليه مباشرةً ، وهذا الثبوت أوّلي غير برهاني ؛ لأنّه يثبت بواسطة حدّ أوسط يتوسّط بينهما ، وإلّا لكان خلف كونهما متّصلين بلا واسطة كما هو الفرض . والثبوت الآخر : هو ثبوت الحدّ للحدّ الذي يليه عبر الواسطة ، وهذا الثبوت برهاني ؛ لما قدّمناه من توسّط حدٍّ بينهما . هذه هي تمام المعرفة البشريّة التي يبحث عنها المنطق العقلي . ومن الواضح أنّ هذه المعرفة لا تتعدّى كونها تفصيلًا للمجملات وإبرازاً للمستبطنات ؛ فإنّ الحدّ الأصغر مثلًا مشمولٌ للأكبر في عالم الواقع ، غاية الأمر أنّنا لم نلتفت إلى كونه كذلك حتّى وسّطنا الحدّ الأوسط ، فكشف لنا عن ذلك ، وفصّل لنا الإجمال وأزال عنّا الإبهام . ولنأخذ مثالًا على ذلك القياس التالي : « العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » : فالقانون الموجود في الكبرى « كلّ متغيّر حادث » هو في الواقع يشمل العالم ؛ لأنّ العالم متغيّر ، فيكون العالم بالتالي مشمولًا لقانون الحدوث المذكور . ومع أنّنا نعلم أنّ العالم متغيّر ، إلّاأ نّنا لم نلتفت إلى كونه حادثاً حتّى وسّطنا الحدّ الأوسط بين المقدّمة الأولى ( الصغرى ) وبين المقدّمة الثانية ( الكبرى ) ، حيث وقع محمولًا في الأولى وموضوعاً في الثانية . إذن : فالحدُّ الأوسط - وهو التغيّر - هو الذي جعلنا نعرف أنّ الحدّ الأكبر - وهو الحدوث - شاملٌ للعالم ، ولكنّ هذه المعرفة كانت مستبطنة في معرفتنا الأولى وموجودةً فيها على نحو الإجمال ، غاية الأمر أنّ المجمل قد تمّ تفصيله وتبيينه وتوضيحه .