السيد محمد باقر الصدر
50
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
موضوع المنطق الذاتي وطريقة توالد المعرفة : يتناول المنطق الذاتي الطريقة الذاتيّة في تولّد المعرفة ، فهو يتناول بالبحث الفكر نفسه ولا علاقة له بمتعلّق هذا الفكر . أو بتعبير آخر : هو يبحث عن اللزوم الحاصل بين معرفة وأخرى ، وكيف أنّ إحداهما تستلزم الأخرى ، دون أن يكون بين موضوعَي هاتين المعرفتين لزومٌ في نفس الأمر والواقع . ولنضرب على ذلك مثالًا : فإنّ الإنسان يرى أنّه كلّما قرّب الورقة إلى النار احترقت ، وأ نّه كلّما تناول الدواء الفلاني - الأسبرين مثلًا - حصلت لديه حالة معيّنة ، كزوال الصداع . وما يراه الإنسان في هذه الحالة يولّد لديه اعتقاداً بأنّ حبة الأسبرين - مثلًا - علّة لرفع الصداع . دعونا الآن ننظر إلى المسألة من وجهة نظر المنطق العقلي : فالمنطق العقلي لا يرى علّة أو لزوماً بين تناول الأسبرين وبين ارتفاع الصداع ؛ إذ لعلّ اقتران هاتين الظاهرتين كان صدفةً ، فيكون اللازم ( وهو ارتفاع الصداع ) أعمّ من الملزوم ( وهو تناول حبّة الأسبرين ) ، بمعنى أنّه قد يكون ناتجاً عن كون التناول علّة لزوال الصداع ، وقد يكون الزوال قد وقع صدفةً . ومع كون اللازم أعمّ من الملزوم ، فلا مجال للاعتقاد باللازم الخاصّ ، وهو العلّيّة بين الأمرين ، فيكون الاعتقاد المتولّد لدينا اعتقاداً باطلًا . هذا كما قلنا من وجهة نظر المنطق العقلي ، ولكنّنا مع ذلك نجد من أنفسنا هذا الاستنتاج على الرغم ممّا يقوله هذا المنطق . وهذا الاستنتاج في الحقيقة عبارة عن طريقة أخرى في التفكير والتوالد تختلف عن طريقة التوالد الموضوعي التي سبق أن تحدّثنا عنها ، ونطلق عليها اسم طريقة ( التوالد الذاتي ) ، وذلك باعتبار أنّه لا ربط ولا لزوم بين متعلَّقَي