السيد محمد باقر الصدر

51

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

الفكرين وموضوعَيهما ، بل إنّ الفكرة - بما هي فكرة - استدعت فكرةً أخرى . ومن هنا كان موضوع المنطق الذاتي هو الأفكار نفسها بما هي هي ، بخلاف المنطق العقلي البرهاني القائم على التوالد بين الأفكار لا بما هي هي ، بل بما هي انعكاسٌ لموضوعاتها ومتعلّقاتها في عالم الواقع . تمييز المنطق الذاتي عن علم النفس : بناءً على بياننا للمنطق الذاتي وموضوعه ، نصل إلى الاعتراض الذي قد يسجّل عليه ، وذلك من جهة انتمائه إلى علم النفس . وهذا الإشكال سبق أن ذكرنا أنّه وجّه أيضاً إلى المنطق العقلي ، وذكرنا هناك أنّ إثارته حول المنطق الذاتي أقوى وأكثر استحكاماً من إثارته حول المنطق الصوري ؛ لأنّ موضوع المنطق الصوري على ضوء ما بيّنّاه ليس الفكر ، وإنّما الأمور الواقعيّة التي يكون لها دخل في تنظيم صورة هذا الفكر . وحيث إنّنا اعترفنا بأنّ موضوع المنطق الذاتي هو الفكر ، فإنّنا مطالبون بالتمييز بينه وبين علم النفس ؛ لكي يكون علماً قائماً برأسه في مقابل علم النفس . وحاصل التمييز بين العلمين : أنّ علم النفس يتناول الفكر بوصفه جزءاً من مجموع العوامل والمؤثّرات النفسيّة الدخيلة في توليد الأفكار . أمّا المنطق الذاتي فيتناول الفكر معزولًا عن سائر هذه العوامل المذكورة ما عدا العقل ؛ فعندما يتحدّث المنطق الذاتي عن علّيّة تناول حبّة الأسبرين لارتفاع الصداع ، فإنّه يقصر النظر على عامل العقل ، بينما يتناول علم النفس الموضوع دون تهميش العوامل النفسيّة الأخرى التي تتداخل مع بعضها البعض ، فيأخذ بعين الاعتبار مثلًا الرغبة النفسيّة تجاه حبّة الأسبرين الموجودة عند مكتشف هذا الدواء ، بينما يخرج ذلك عن مدّ نظر المنطق الذاتي .