السيد محمد باقر الصدر

94

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

هذا التوهّم أدّى إلى أنّ بعض المفكرين يذهب إلى أنّ الإنسان له دور سلبي فقط حفاظاً على سنن التاريخ وعلى موضوعية هذه السنن . ضحّى باختيار الإنسان من أجل الحفاظ على سنن التاريخ فقال بأنّ الإنسان دوره دور سلبي وليس دوراً إيجابياً ، يتحرّك كما تتحرّك الآلة وفقاً لظروفها الموضوعية ، ولعله يأتي بعض التفصيل أيضاً عن هذه الفكرة . وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهرياً إلى أنّ اختيار الإنسان نفسه هو أيضاً يخضع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ . لا نضحّي باختيار الإنسان ، لكن نقول بأنّ اختيار الإنسان لنفسه حادثة تاريخية أيضاً ، إذن هو بدوره يخضع للسنن . هذه تضحية باختيار الإنسان لكن بصورة مبطنة ، بصورة غير مكشوفة . وذهب بعض آخر إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان ، فذهب جملة من المفكرين الأوروبيين إلى أنّه ما دام الإنسان مختاراً فلابدّ من أن تستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي ، لابدّ وأن يقال بأ نّه لا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظاً على إرادة الإنسان وعلى اختيار الإنسان . وهذه المواقف كلّها خاطئة ؛ لأنّها جميعاً تقوم على ذلك الوهم الخاطئ ، وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار ، وهذا التوهّم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنة التاريخية ، أي قصر النظر على السنة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة . لو كنّا نقصر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ ، ولو كنّا نقول بأنّ هذا الشكل هو الذي يستوعب كل الساحة التاريخية لا يبقي فراغاً لذي الفراغ ، لكان هذا التوهّم وارداً ، ولكنّا يمكننا إبطال هذا التوهّم عن طريق الالتفات إلى الشكل