السيد محمد باقر الصدر
357
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الصعيد الاجتماعي في القوانين التي تشرّع لتنظيم المجتمع وضبط تصرفاته . وهكذا تصبح الحرية المطلقة فكرة خيالية ، حين يبدأ الإنسان حياته الاجتماعية ، ويصبح الشيء المهم هو تحديد النصيب الذي يجب أن يحتفظ به لكل فرد من الحرية . الحرّية في الحضارات الغربيّة : وقد حرصت الحضارات الغربية الحديثة على تقليص هذا التحديد - تحديد الحرية - إلى أبعد الحدود ، وتوفير أكبر نصيب ممكن من الحرية لكل فرد في سلوكه الخاص ، وهذا النصيب هو القدر الذي لا يتعارض مع حرّيات الآخرين ، فلا تنتهي حرية كل فرد إلا حيث تبدأ حرّيات الأفراد الآخرين . وليس من المهم بعد توفير هذه الحرية لجميع الأفراد طريقة استعمالها والنتائج التي تتمخض عنها وردود الفعل النفسية والفكرية لها ، ما دام كل فرد حرّاً في تصرفاته وسلوكه وقادراً على تنفيذ إرادته في مجالاته الخاصة ، فالمخمور مثلًا لا حرج عليه أن يشرب ما شاء من الخمر ، ويضحّي بآخر ذرّة من وعيه وادراكه ، لأن من حقه أن يتمتع بهذه الحرية في سلوكه الخاص ، ما لم يعترض هذا المخمور طريق الآخرين أو يصبح خطراً على حرياتهم بوجه من الوجوه . وقد سكرت الإنسانية على أنغام هذه الحرية ، وأغفت في ظلالها برهة من الزمن ، وهي تشعر لأوّل مرة أنها حطّمت كل القيود ، وإن هذا العملاق المكبوت في أعماقها آلاف السنين قد انطلق لأول مرة ، وأتيح له أن يعمل كما يشاء في النور دون خوف أو قلق . ولكن لم يدم هذا الحلم اللذيذ طويلًا ، فقد بدأت الإنسانية تستيقظ ببطءٍ وتدرك بصورة تدريجية ولكنها مرعبة أنّ هذه الحرية ربطتها بقيود هائلة ، وقضت