السيد محمد باقر الصدر
358
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
على آمالها في الانطلاق الإنساني الحر ؛ لأنّها وجدت نفسها مدفوعة في عربة تسير باتجاه محدّد ، لا تملك له تعبيراً ولا تطويراً ، وإنما كل سلوتها وعزائها وهي تطالع مصيرها في طريقها المحدد : إن هناك من قال لها أنّ هذه العربة عربة الحرية بالرغم من هذه الاغلال وهذه القيود التي وضعت في يديها . أما كيف عادت الحرية قيداً ، وكيف أدّى الانطلاق إلى تلك الاغلال التي تجرّ العربة في اتجاه محدد محتوم ؟ ! وكيف أفاقت الإنسانية على هذا الواقع المُرّ في نهاية المطاف ؟ ! فهذا كله ما قدّره الإسلام قبل أربعة عشر قرناً ، فلم يكتف بتوفير هذا المعنى السطحي من الحرية للإنسان الذي مني بكل هذه التناقضات في التجربة الحياتية الحديثة للإنسان الغربي ، وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك ، وجاء بمفهوم أعمق للحرية ، وأعلنها ثورة تحريرية كبرى للانسان ، ولكنها ليست ثورة على الأغلال والقيود بشكلها الظاهري فحسب ، بل على جذورها النفسية والفكرية ، وبهذا كفل للإنسان أرقى وأسمى أشكال الحرية التي ذاقها الناس على مرّ التاريخ . الحرّية الإسلامية : ولئن كانت الحرية في الحضارات الغربية تبدأ من التحرّر لتنتهي إلى ألوان من العبودية والاغلال - كما سنعرف - فإنّ الحرّية الرحيبة في الإسلام على العكس فإنها تبدأ من العبودية المخلصة للَّهتعالى ، لتنتهي إلى التحرّر من كل أشكال العبودية المهينة : « تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » . أرأيت كيف يقيم القرآن التحرر من كل العبوديات على أساس الإقرار