السيد محمد باقر الصدر

356

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

الحرّية عاطفة أصيلة : مفهوم الحرّية من تلك المفاهيم التي تلتقي عندها مشاعر الناس جميعاً ، وهذه الصلة العاطفية التي تربط الإنسان بالحرية ليست ظاهرة حديثة في تاريخ الإنسانية ، ولا من نتائج الكيانات الحضارية التي يعيشها الإنسان الرأسمالي والإشتراكي اليوم ، وإن استغلّت بعض الحضارات الحديثة عاطفة الإنسان تجاه الحرّية إلى أبعد حدود الاستغلال . وإنما تعبّر هذه الصلة العاطفية عن عاطفة أصيلة في النفس البشرية تشعّ من كل ثنايا التاريخ حتى تبدو قصة الإنسان نفسه ، وكأنها معركة تحرّر وتحرير يخوضها على مرّ الزمن منذ أعماق التاريخ إلى يوم الناس هذا ، بالرغم من اختلاف أشكال المعركة وألوانها وأهدافها وأساليبها باختلاف القيم الفكرية التي ترتكز عليها . وهذه الظاهرة العاطفية العامة نجد تفسيرها في جانب ثابت من تكوين الإنسان وهو الإرادة ، فالإنسان مجهز ضمن تركيبه العضوي والنفسي بالإرادة ، وهو لذلك يحبّ الحرّية ويهواها ، لأنّها تعبير عملي عن امتلاكه لإرادته وإمكان استخدامها لمصالحه ، وكما يسوء الإنسان أن يعطّل أيّ جهاز من أجهزته عن العمل ، يسوءه بطبيعة الحال أن يشلّ جهازه الإداري بانتزاع الحرية منه . تحديد الحرّية : غير أنّ الإنسان آمن منذ البدء بأنّ الحرية المطلقة لا يمكن أن توفّر للفرد الاعتيادي الذي يعيش ضمن مجتمع مترابط ، لأن الحرية المطلقة لكل فرد في المجتمع تصطدم بحريات الآخرين ، وبالتالي يستقطب التناقض في الجهاز الاجتماعي ، حتى يتفسخ ، فلكي يحتفظ كل فرد بنصيب من حريته بعيداً عن تدخّلات الآخرين ، لا بدّ له أن يتنازل عن شيء منها ، وينعكس هذا التنازل على