السيد محمد باقر الصدر
310
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
عن القرآن ككل يشكل القاعدة الأساسية لفهم تفصيلاته ، ودرس مختلف جوانبه ، فلا بد أن يُبنى التفسير على قاعدة سليمة ومفهوم صحيح عن القرآن ، يتفق مع الإطار الاسلامي للتفكير ، لكي يتجه اتجاهاً صحيحاً في الشرح والتحليل ؛ وأمّا إذا أقيم التفسير على أساس تقييم خاطئ للقرآن ومفهوم غير صحيح عنه ، فسوف ينعكس انحراف القاعدة على التفصيلات ، ويفرض على اتجاه البحث انحرافاً في التحليل والاستنتاج . وفيما يلي نذكر بعض الأمثلة التي يتجلى فيها مدى الفرق في الاتجاه بين دراسة القرآن بوصفه كتاباً الهياً للهداية ، ودراسته بوصفه ظاهرة في مجتمع تتأثر به وتتفاعل مع عوامله ومؤثراته ، وكيف تنعكس القاعدة التي يقام على أساسها التفسير في التفصيلات وطريقة التحليل والاستنتاج ؟ أ - ففي اقرار القرآن لعدد من الأعراف وألوان من السلوك التي كانت سائدة بين العرب قبل بزوغ نور الرسالة الجديدة ، قد يخيل لمن ينطلق من قاعدة خاطئة ويحاول أنْ يفسر القرآن بمقاييس غيره من منتجات الأرض أنّ ذلك الاقرار يعبر عن تأثر القرآن بالمجتمع الذي وجد فيه ، ولكن هذا التفسير لا معنى له حين ننطلق من القاعدة الصحيحة ، ونفهم القرآن الكريم بوصفه كتاباً الهياً للهداية وبناء الانسانية ، بالصورة التي تعيد إليها فطرتها النقية ، وتوجهها نحو أهدافها الحقيقية الكبرى . بل نستطيع على أساس هذه القاعدة الصحيحة ان نفهم ذلك الاقرار من القرآن فهماً صحيحاً ، إذ ليس من الضروري لكتاب هداية من هذا القبيل ان يشجب كل الوضع الذي كانت الانسانية عليه قبله ، لأنّ الانسانية مهما تفسد وتنحرف عن طريق الفطرة والأهداف الحقيقية الكبرى فهي لا تفسد كلها ، بل تبقى في العادة جوانب صالحة في حياة الانسانية تمثل فطرة الانسان أو تجاربه الخيرة ، فمن الطبيعي للقرآن ان يقر بعض الجوانب ويشجب أكثر الجوانب في