السيد محمد باقر الصدر
282
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
وهي منطقة لم تمارس أي لون من ألوان الحضارة والمدنية ، التي مارستها مختلف المجتمعات الراقية نسبياً يومئذ ؛ وكانت هذه أولى المفارقات التي برهنت على أنّ الكتاب لم يجرِ وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية ، لأن هذه القوانين تحكم بأنّ الكتاب مرآة لثقافة عصره ومجتمعه ، الذي عاشه صاحب الكتاب ، وتثقف فيه ، فهو يعبر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع ، أو يعبر على أفضل تقدير عن خطوة إلى الامام في تلك الثقافة ، وأما ان يطفر الكتاب طفرة هائلة ، ويأتي - بدون سابق مقدمات وبلا ارهاصات - بثقافة من نوع آخر لا تمت إلى الافكار السائدة بصلة ولا تستلهمها ، وانما تقلبها رأساً على عقب ، فهذا ما لا يتفق مع طبيعة الأشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كل عصر . وهذا ما وقع للقرآن تماماً فإنه اختار أكثر المناطق والمجتمعات تأخراً وبدائية ، وضيق أفق ، وبعداً عن التيارات الفلسفية والعلمية ، ليفاجئ العالم بثقافة جديدة ، كان العالم كلّه بحاجة إليها ، وليثبت أنّه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه ، ولا خطوة محدودة إلى الامام ، وانما هو شيء جديد بدون سابق مقدمات . وهكذا نعرف أنّ اختيار البيئة والمجتمع ، كان هو التحدي الأول للقوانين الطبيعية التي تقتضي ان تولد الثقافة الجديدة في ارقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية . 2 - إنّ القرآن بشّر به وأعلنه على العالم فَرْدٌ من أفراد المجتمع المكي ، ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من ألوان التعلم والتثقيف ، فهو أمي ، لا يقرأ ولا يكتب ، وقد عاش بين قومه أربعين سنة فلم تؤثر عنه طيلة هذه المدة محاولة تعلم أو إثارة من علم أو أدب : « وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ