السيد محمد باقر الصدر
181
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
المستضعفين كالطائفة الأولى ، وليسوا من الحاشية المتملقين ، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم ، لا بل بالعكس هم يشعرون بأ نّهم مستضعفون : « قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ » ، هؤلاء لم يفقدوا لبّهم ، يدركون واقعهم ولكنهم كانوا عملياً مهادنين ، ولهذا عبّر عنهم القرآن بأ نّهم ظلموا أنفسهم . هذه الطائفة هل يترقب منها أن تساهم بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة ؟ طبعاً كلا . الطائفة الخامسة : الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي : الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة ، تبتعد عن المسرح وتتهرّب منه وتترهّب ، وهذه الرهبانية ظاهرة موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ ، وهي تتخذ صيغتين : الأولى صيغة جادّة ، رهبانية جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع ، هذه الرهبانية الجادّة هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله : « وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها » « 1 » هذه الرهبانية يشجبها الإسلام ، لأنّها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض . وهناك صيغة مفتعلة للرهبانية : يترهّب ويلبس مسوح الرهبان ولكنه ليس راهباً في أعماق نفسه ، وإنّما يريد بذلك أن يخدّر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ويسطو عليهم نفسياً وروحياً ، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله : « إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ
--> ( 1 ) الحديد : 27