السيد محمد باقر الصدر

180

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

هؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق تحاول الفرعونية أنّ توسّع منهم ، وكلّما توسّعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدّمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة ؛ لأنّ هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه أن تدافع عن المجتمع إذا حلّت كارثة في الداخل أو طرأت كارثة من الخارج ، فكلّما توسّعت هذه الفئة ، هذا القسم الثالث ، هؤلاء الذين ينعقون مع كل ناعق ، كلّما توسّعوا في المجتمع ازداد خطر فناء المجتمع ، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً . مفهوم الموت لدى القرآن للمجتمعات وللأقوام وللُامم ، الموت الطبيعي للمجتمع لا الموت المخروم . المجتمع له موتان : موت طبيعي وموت مخروم . الموت الطبيعي للمجتمع يكون عن طريق توسّع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعياً وعددياً في المجتمع إلى أن تحلّ الكارثة فينهار المجتمع . هذه هي الطائفة الثالثة في عملية التجزئة الفرعونية . الطائفة الرابعة : الطائفة الرابعة : هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم ، أولئك الذين لم يفقدوا لبّهم أمام فرعون والفرعونية ، فهم يستنكرون الظلم ولكنهم يهادنون الظلم ويسكتون عن الظلم ، فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم ، وهذه الحالة - حالة التواتر والقلق - أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنموّ على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة . هؤلاء يسمّيهم القرآن الكريم ب « ظالمي أنفسهم » . قال اللَّه سبحانه وتعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها » « 1 » ، هؤلاء لم يظلموا الآخرين ، ليسوا من الظالمين

--> ( 1 ) النساء : 97