السيد محمد باقر الصدر
142
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
إلى قمم كمالها وتكاملها وتطوّرها إلى الأفضل باستمرار . وهذا السير الذي يحتوي على المعاناة باستمرار ، هذا السير يفترض طريقاً لا محالة ، فإنّ السير نحو هدف يفترض حتماً طريقاً ممتدّاً بين السائر وبين ذلك الهدف . وهذا الطريق هو الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرّقة تحت اسم : سبيل اللَّه واسم الصراط واسم صراط اللَّه . هذه الصيغ القرآنية المتعدّدة كلها تتحدّث عن الطريق ، الطريق الذي يفترضه ذلك السير ، وكما أنّ السير يفترض الطريق ، كذلك الطريق يفترض السير أيضاً ، وهذه الآية الكريمة « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » تتحدّث عن حقيقة قائمة ، عن واقع موضوعي ثابت ، فهي ليست بصدد أن تدعو الناس إلى أن يسيروا في طريق اللَّه سبحانه وتعالى ، ليست بصدد الطلب والتحريك كما هو الحال في آيات أخرى في مقامات وسياقات قرآنية أخرى . الآية الكريمة لا تقول : يا أيها الناس تعالوا إلى سبيل اللَّه ، توبوا إلى اللَّه ، بل تقول : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » . لغةُ الآيةِ لغةُ التحدّث عن واقع ثابت وحقيقة قائمة ، وهي أنّ كل سير وكل تقدّم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد فهو تقدّم نحو اللَّه سبحانه وتعالى وسير نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، حتى تلك الجماعات التي تمسّكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة واستطاعت أن تحقّق لها سيراً ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل ، حتى هذه الجماعات التي يسمّيها القرآن بالمشركين حتى هؤلاء هم يسيرون هذه الخطوة نحو اللَّه ، هذا التقدّم بقدر فاعليته وبقدر زخمه هو اقتراب نحو اللَّه سبحانه وتعالى ، لكن فرق بين تقدّم مسؤول وتقدّم غير مسؤول على ما يأتي شرحه إن شاء اللَّه . حينما تتقدّم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً