السيد محمد باقر الصدر

125

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

قال اللَّه سبحانه وتعالى : « ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ * فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ » « 1 » نحن غير مستعدين أن نؤمن بهذا المثل الأعلى الذي جاء به موسى ؛ لأنّه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لهم . إذن هنا التجميد ضمن إطار الواقع الذي تعيشه الجماعة - أيّ جماعة بشرية - ينشأ من حرص أولئك الذين تسلّطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بُناته . هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم . والقرآن الكريم يسمّي هذا النوع من القوى التي تحاول أنْ تحوّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود ، يسمّي هذا بالطاغوت . قال سبحانه وتعالى : « وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ » « 2 » . لاحظوا ذكر صفة أساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت . ما هي الصفة الأساسية المميزة التي ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت ؟ قال : « فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » . يعني لم يجعلوا هناك قيداً على ذهنهم ، لم يجعلوا هناك إطاراً محدوداً لا يمكنهم أن يتجاوزوه ، جعلوا الحقيقة مدار همّهم جعلوا الحقيقة هدفهم ، ولهذا يستمعون القول فيتّبعون أحسنه . يعني هم في حالة طموح ، في حالة تطلّع ، في حالة موضوعية ،

--> ( 1 ) المؤمنون : 45 - 47 ( 2 ) الزمر : 17 - 18