السيد محمد باقر الصدر
111
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
القابل كما يقول الفلاسفة ، من ناحية دور الإنسان في تقبّل هذه الخلافة وتحمّل هذه الأمانة ، يأتي قوله سبحانه وتعالى : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ » . وهذه الأمانة التي تقبّلها الإنسان وتحمّلها الإنسان عُرضت على الإنسان فتقبّلها الإنسان بنصّ هذه الآية الكريمة ، هذه الأمانة أو هذه الخلافة أو بالتعبير الذي قلناه : هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعية ، هذه لم تعرض على الإنسان في هذه الآية بوصفها تكليفاً ، بوصفها طلباً ، ليس المقصود من عرضها على الإنسان هو العرض على مستوى التكليف والطلب ، وليس المقصود من تقبّل الأمانة هو تقبّل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة ، ليس المقصود أن يكون هكذا العرض وأن يكون هكذا التقبّل ، بقرينة أنّ هذا العرض كان معروضاً على الجبال أيضاً ، على السماوات والأرض والجبال ، من الواضح أنّه لا معنى لتكليف الجبال والسماوات والأرض . هذا العرض نعرف من ذلك أنّه عرض تكويني لا عرض تشريعي ، هذا العرض معناه أنّ هذه العطية الربانية كانت تفتّش عن الموضع القابل لها في الطبيعة ، الموضع المنسجم معها بطبيعته ، بفطرته ، بتركيبه التاريخي والكوني . الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة ، السماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية ، الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه ، بحكم بُنيته ، بحكم فطرة اللَّه التي قرأناها في الآية السابقة ، كان منسجماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها - بالأطراف الأربعة - تصبح أمانة ، وتصبح خلافة . إذن فالعرض هنا عرض تكويني ، والقبول هنا قبول تكويني ، وهو معنى سنّة التاريخ ، يعني : أنّ هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة ، إذن داخلة في تكوينة الإنسان وفي تركيب مسار الإنسان الطبيعي والتاريخي .