السيد محمد باقر الصدر

112

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

الاستخلاف سنّة من الشكل الثالث : ونلاحظ أنّه في هذه الآية الكريمة أيضاً جاءت الإشارة إلى هوية هذه السنّة التاريخية وأ نّها سنّة من الشكل الثالث ، سنّة تقبل التحدّي وتقبل العصيان . ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي أبداً ولو لحظة ، لا ، هي سنة ، هي فطرة ولكن هذه الفطرة تقبل التحدي . كيف أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعد أن وضّح أنّها سنّة من سنن التاريخ ؟ قال : « وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » هذه العبارة الأخيرة : « إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » تأكيد على طابع هذه السنّة وأنّ هذه السنّة على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدّي ، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبياً ، هذا التعبير يوازي تعبير : « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » في الآية السابقة . إذن الآية السابقة استخلصنا منها أنّ الدين سنّة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ ، ومن هذه الآية نستخلص أنّ صيغة الدين للحياة التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية ، العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي يسمّيها القرآن بالخلافة والأمانة والاستخلاف ، هذه العلاقة الاجتماعية هي أيضاً بدورها سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم . بل الحقيقة أنّ الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما ؛ لأنّه في الآية السابقة قال : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » « 1 » . التعبير بالدين القيّم تأكيد على أنّ ما هو الفطرة ، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين

--> ( 1 ) الروم : 30