السيد محمد باقر الصدر
28
المعالم الجديدة للأصول ( تراث الشهيد الصدر ج 8 ق 1 )
ونحن إذا لاحظنا التعريف الذي قدّمناه لعلم الأصول استطعنا أن نعرف أنّ علم الأصول يدرس في الحقيقة نفس عملية الاستنباط التي يمارسها الفقيه في علم الفقه ، وتتعلّق بحوثه كلّها بتدقيق هذه العملية وإبراز ما فيها من عناصر مشتركة ، وعلى هذا الأساس تكون عملية الاستنباط هي موضوع علم الأصول باعتباره علماً يدرس العناصر المشتركة التي تدخل في تلك العملية ، من قبيل حجّية الظهور العرفي وحجّية الخبر . علم الأصول منطق الفقه : ولابدّ أنّ معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدم علم المنطق كمثالٍ لعلم الأصول ، فإنّ علم المنطق - كما تعلمون - يدرس في الحقيقة عملية التفكير مهما كان لونها ومجالها وحقلها العلمي ، ويحدّد النظام العام الذي يجب أن تتّبعه عملية التفكير لكي يكون التفكير سليماً . مثلًا : يعلّمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال بوصفه عملية تفكيرٍ لكي يكون الاستدلال صحيحاً ؟ كيف نستدلّ على أنّ سقراط فانٍ ؟ وكيف نستدلّ على أنّ نار الموقد الموضوع أمامي محرقة ؟ وكيف نستدلّ على أنّ مجموع زوايا المثلّث تساوي قائمتين ؟ وكيف نستدلّ على أنّ الخطّ الممتدّ بدون نهايةٍ مستحيل ؟ وكيف نستدلّ على أنّ الخسوف ينتج عن توسّط الأرض بين الشمس والقمر ؟ كلّ هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال ، كالقياس والاستقراء التي تطبّق في مختلف هذه الحقول من المعرفة ، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقاً ، إذ يضع المناهج والعناصر العامة فيها . وعلم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية ، غير أنّه يبحث عن نوعٍ خاصٍّ من عملية التفكير ، أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام ،