السيد محمد باقر الصدر
28
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )
جعل وجوبٍ ظاهريٍّ لذلك الشيء وفقاً لما أخبر به الثقة ، فيلزم على هذا الأساس اجتماع الضدّين ، وهما : الوجوب الظاهري والحرمة الواقعية . ولكنّ الافتراض المذكور خطأ ؛ لأنّ الصحيح أنّ معنى حجّية خبر الثقة - مثلًا - جعلُه عِلماً وكاشفاً تامّاً عن مؤدّاه بالاعتبار ، فلا يوجد حكم تكليفيّ ظاهريّ زائداً على الحكم التكليفيّ الواقعيّ ليلزم اجتماع حكمين تكليفيّين متضادّين ؛ وذلك لأنّ المقصود من جعل الحجية للخبر - مثلًا - جعله منجِّزاً للأحكام الشرعية التي يحكي عنها ، وهذا يحصل بجعله علماً وبياناً تامّاً ؛ لأنّ العلم منجِّز ، سواء كان علماً حقيقةً كالقطع ، أو علماً بحكم الشارع كالأمارة . وهذا ما يسمّى بمسلك ( جعل الطريقية ) . والجواب على ذلك : أنّ التضادّ بين الحكمين التكليفيّين ليس بلحاظ اعتباريهما حتى يندفع بمجرّد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهريّ من اعتبار الحكم التكليفيّ إلى اعتبار العلمية والطريقية ، بل بلحاظ مبادئ الحكم ، كما تقدّم في الحلقة السابقة « 1 » . وحينئذٍ فإن قيل بأنّ الحكم الظاهريّ ناشئ من مصلحةٍ ملزمةٍ وشوقٍ في فعل المكلّف الذي تعلّق به ذلك الحكم ، حصل التنافي بينه وبين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري . وإن قيل بعدم نشوئه من ذلك - ولو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهريّ - زال التنافي بين الحكم الواقعيّ والحكم الظاهري ، سواء جُعِل هذا حكماً تكليفياً ، أو بلسان جعل الطريقية . ومنها : ما ذكره السيّد الأستاذ « 2 » من أنّ التنافي بين الحرمة والوجوب
--> ( 1 ) ضمن بحث ( الحكم الشرعي وأقسامه ) من مباحث التمهيد ، تحت عنوان : التضادّ بينالأحكام التكليفيّة . ( 2 ) مصباح الأصول 2 : 108 - 111 .