السيد محمد باقر الصدر

29

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )

- مثلًا - ليس بين اعتباريهما ، بل بين مبادئهما من ناحية ؛ لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون مبغوضاً ومحبوباً ، وبين متطلّباتهما في مقام الامتثال من ناحيةٍ أخرى ؛ لأنّ كلًاّ منهما يستدعي تصرّفاً مخالفاً لِمَا يستدعيه الآخر . فإذا كانت الحرمة واقعية والوجوب ظاهرياً فلا تنافي بينهما في المبادئ ؛ لأنّنا نفترض مبادئ الحكم الظاهريّ في نفس جعله لا في المتعلق المشترك بينه وبين الحكم الواقعي ، ولا تنافي بينهما في متطلّبات مقام الامتثال ؛ لأنّ الحرمة الواقعية غير واصلة - كما يقتضيه جعل الحكم الظاهريّ في موردها - فلا امتثال لها ولا متطلّبات عملية ؛ لأنّ استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول والتنجّز . ولكن نتساءل : هل يمكن أن يجعل المولى وجوباً أو حرمةً لملاكٍ في نفس الوجوب أو الحرمة ؟ ولو اتّفق حقّاً أنّ المولى أحسّ بأنّ من مصلحته أن يجعل الوجوب على فعلٍ بدون أن يكون مهتّماً بوجوده إطلاقاً ، وإنّما دفعه إلى ذلك وجود المصلحة في نفس الجعل ، كما إذا كان ينتظر مكافأة على نفس ذلك من شخص ، ولا يهمّه بعد ذلك أن يقع الفعل أو لا يقع ، أقول : لو اتّفق ذلك حقّاً فلا أثر لمثل هذا الجعل ، ولا يحكم العقل بوجوب امتثاله . فافتراض أنّ الأحكام الظاهرية ناشئة من مبادئ في نفس الجعل يعني تفريغها من حقيقة الحكم ومن أثره عقلًا . فالجواب المذكور في افتراضه المصلحة في نفس الجعل غير تامّ ، ولكنّه في افتراضه أنّ الحكم الظاهريّ لا ينشأ من مبادئ في متعلّقه بالخصوص تامّ ، فنحن بحاجةٍ إذن في تصوير الحكم الظاهريّ إلى افتراض أنّ مبادئه ليس من المحتوم تواجدها في متعلّقه بالخصوص ؛ لئلّا يلزم التضاد ، ولكنّها في نفس الوقت ليست قائمةً بالجعل فقط ؛ لئلّا يلزم تفريغ الحكم الظاهريّ من حقيقة الحكم ، وذلك بأن نقول : إنّ مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية .