السيد محمد باقر الصدر

234

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

بحكم السياق ، لا الوضع ، إذ تكشف سياقاً عن أمرٍ ثابتٍ في نفس المتكلّم هو الذي دعاه إلى استعمال الصيغة ، وفي هذه المرحلة تتعدّد الدواعي التي يمكن أن تدلّ عليها الصيغة بهذه الدلالة ، فتارةً يكون الداعي هو الطلب ، وأخرى الترجّي ، وثالثةً التعجيز ، وهكذا ؛ مع انحفاظ المدلول التصوّري للصيغة في الجميع . هذا كلّه على المسلك المختار المشهور القائل : بأنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصوّريّة . وأمّا بناءً على مسلك التعهّد القائل : بأنّ الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة ، وأنّ المدلول الجدّيّ للجملة التامّة هو المعنى الموضوع له ابتداءً فلا بدّ من الالتزام بتعدّد المعنى في تلك الموارد ؛ لاختلاف المدلول الجدّيّ . ثمّ إنّ الظاهر من الصيغة أنّ المدلول التصديقيّ الجدّيّ هو الطلب دون سائر الدواعي الأخرى ؛ وذلك لأنّه : إن قيل بأنّ المدلول التصوّريّ هو النسبة الطلبيّة فواضح أنّ الطلب مصداق حقيقيّ للمدلول التصوّريّ دون سائر الدواعي ، فيكون أقرب إلى المدلول التصوّريّ ، وظاهر كلّ كلامٍ أنّ مدلوله التصديقيّ أقرب ما يكون للتطابق والمصداقيّة للمدلول التصوّريّ . وأمّا إذا قيل بأنّ المدلول التصوّريّ هو النسبة الإرساليّة فلأنّ المصداق الحقيقيّ لهذه النسبة إنّما ينشأ من الطلب ، لا من سائر الدواعي ، فيتعين داعي الطلب بظهور الكلام . ولكن قد يتّفق أحياناً أن يكون المدلول الجدّيّ هو قصد الإخبار عن حكمٍ شرعيٍّ آخر غير طلب المادّة أو إنشاء ذلك الحكم وجعله ، كما في قوله : « اغسل ثوبك من البول » ، فإنّ المراد الجدِّي من « اغسل » ليس طلب الغسل ، إذ قد يتنجّس ثوب الشخص فيهمله ولا يغسله ولا إثم عليه ، وإنّما المراد بيان أنّ الثوب يتنجّس بالبول وهذا حكم وضعيّ ، وأ نّه يطهر بالغسل وهذا حكم وضعيّ آخر ، وفي هذه الحالة تسمّى الصيغة بالأمر الإرشادي ؛ لأنّها إرشاد وإخبار عن ذلك الحكم .