السيد محمد باقر الصدر

148

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

وقد يبدو لأوّل وهلةٍ أنّ بالإمكان أن تشمله القاعدة العملية الثانوية ، أي أصالة البراءة النافية للاحتياط في التكاليف المشكوكة ؛ لأنّ كلّاً من الطرفين تكليف مشكوك . ولكنّ الرأي السائد في علم الأصول يقول بعدم إمكان شمول القاعدة العملية الثانوية لطرف العلم الإجمالي ، بدليل أنّ شمولها لكلا الطرفين معاً يؤدّي إلى براءة الذمّة من الظهر والجمعة وجواز تركهما معاً ، وهذا يتعارض مع حجّية القطع بوجوب أحد الأمرين ؛ لأنّ حجّية هذا القطع تفرض علينا أن نأتي بأحد الأمرين على أقلّ تقدير ، فلو حكم الشارع بالبراءة في كلٍّ من الطرفين لكان معنى ذلك الترخيص منه في مخالفة العلم ، وهو مستحيل كما تقدم . وشمول القاعدة لأحد الطرفين دون الآخر وإن لم يؤدِّ إلى الترخيص في ترك الأمرين معاً لكنّه غير ممكنٍ أيضاً ؛ لأنّنا نتساءل حينئذٍ : أيّ الطرفين نفترض شمول القاعدة له ونرجِّحه على الآخر ؟ وسوف نجد أنَّا لا نملك مبرِّراً لترجيح أيٍّ من الطرفين على الآخر ؛ لأنّ صلة القاعدة بهما واحدة . وهكذا ينتج عن هذا الاستدلال القول بعدم شمول القاعدة العملية الثانوية « أصالة البراءة » لأيّ واحدٍ من الطرفين ، ويعني هذا : أنّ كلّ طرفٍ من أطراف العلم الإجماليّ يظلّ مندرجاً ضمن نطاق القاعدة العملية الأساسية القائلة بالاحتياط ما دامت القاعدة الثانوية عاجزةً عن شموله . وعلى هذا الأساس ندرك الفرق بين الشكّ البدويّ والشكّ الناتج عن العلم الإجمالي ، فالأوّل يدخل في نطاق القاعدة الثانوية وهي أصالة البراءة ، والثاني يدخل في نطاق القاعدة الأوّلية وهي أصالة الاحتياط . وفي ضوء ذلك نعرف أنّ الواجب علينا عقلًا في موارد العلم الإجماليّ هو الإتيان بكلا الطرفين ، أي الظهر والجمعة في المثال السابق ؛ لأنّ كلّاً منهما داخل في