السيد محمد باقر الصدر
31
رسالتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 3 )
العقيم . وهكذا أخطأ العقليّون حين لم يعرفوا - عملياً على الأقلّ - ما هي وظائف العقل بصفته مقياساً أساسياً للفكر . وكما أخطأ هؤلاء أخطأ التجريبيون أيضاً الذين اتّجهوا اتجاهاً معاكساً تماماً كردِّ فعلٍ للاتجاه العقلي السابق ، فآمنوا بالتجربة وقدرتها على استكشاف الحقائق والأسرار ، وظنّوا في غمرةٍ من نشوة الظفر بما توصّلوا إليه من معلوماتٍ تجريبيةٍ أنّهم استغنوا عن خدمات العقل لأنّه ممّا لم تتكشّف عنه التجربة بعد . وكان نتائج ذلك أن تحرّر كثير من أنصار التجربة المعملية ، وخسر العقليون الثروة التجريبية الضخمة ، كذلك خسر التجريبيون الثروة العقلية الروحية الجبّارة . وأمّا الإسلام فقد وقف من الفريقين الموقف الصحيح ، ورسم الطريق اللاحب للفكر الإنساني الذي يضمن للإنسان أفضل النتائج في كلّ الميادين ، ويحول بينه وبين الألوان العقيمة من الجدل الذي مُنِيَ به العقليون ، كما يحول بينه وبين المادّية المُسِفَّة التي انتهى التجريبيون إليها . وتلخّص هذا الطريق في أنّ العقل يجب أن يؤخذ كمقياسٍ للأفكار ، وحاكم فصلٍ نُلقي بين يديه المعلومات التي حصل عليها الإنسان عن طريق الملاحظة الحسّية أو التجربة العملية ، لينظّمها ويستنتج منها ما تنتجه من حقائق مادّية أو حقائق خارجةٍ عن حدود المادة : « أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها . . . » « 1 » . فليس السير في الأرض وما يشير إليه من ألوان التأمّل التجريبي في حقائقها مغنياً عن العقل ، وليس العقل مغنياً عن السير في الأرض ودراسة حقائقها بالطرق الحسّية والتجريبية . فالأخذ بالتجربة واستثمارها واستنطاقها صحيح كلّ الصحّة ولكن شريطة أن لا يلغى العقل ولا يحبس الإنسان نفسه في حدود حِسِّهِ التجريبي ، بل يحكِّم عقله فيما يحسّ ويجرّب ليستنتج ما وراء التجربة استنتاجاً عقلياً متّسقاً .
--> ( 1 ) الحجّ : 46