السيد محمد باقر الصدر
32
رسالتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 3 )
ثالثاً : المقياس العمليّ العامّ الذي بَشَّر به الإسلام على أساس نظرته العامّة للحياة والكون ، فما دام الإنسان مرتبطاً بخالقٍ وهبه الحياة وكلّ محتوياتها وإطاراتها المادية والمعنوية يجب أن يكون مقياسه في الحياة هو رضا اللَّه تعالى بأن يكيّف حياته طبقاً لرضاه جل شأنه : « وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » « 1 » . وهذا المقياس العمليّ يشمل جميع الميادين العملية للإنسان من فرديةٍ أو اجتماعية ، ويشمل مختلف الحقول الاجتماعية من سياسيةٍ واقتصاديةٍ وأخلاقية . فالإسلام يحتِّم على الإنسان أن يسير في كلّ هذه المجالات طبقاً لرضا اللَّه سبحانه وتوجيهه . ويمتاز هذا المقياس عن أيّ مقياسٍ آخر يقدِّمه فلاسفة الأخلاق عادةً بمميّزاتٍ أساسية ، فهو مقياس من النظرة الروحية العامة إلى الحياة والكون وليس مقياساً مرتجلًا ، كما أنّه يزيل كلّ تناقضٍ من الصعيد العملي ، على عكس كثيرٍ من المقاييس التي يقدِّمها فلاسفة الأخلاق كاللذّة أو المنفعة ونحوهما من مفاهيم غائمةٍ أو غير محدّدة ، فإنّ الناس في المجتمع الواحد يتناقضون في لذّاتهم ومنافعهم . كما تتناقض المجتمعات البشرية المختلفة في هذه المقاييس أيضاً ، فما كان فيه منفعة فردٍ أو مجتمع أو كان ملذّاً لهما قد يكون مضرّاً بفردٍ أو بمجتمعٍ آخر . وإيمان الإنسانية بهذه المقاييس الخلقية الناقصة هو الذي جرّ عليها كثيراً من ألوان البلاء وألقى بها في دوامةٍ من الصراع والنزاع . وأمّا حين تأخذ الإنسانية بالمقياس العمليّ الذي ينادي به الإسلام فسوف يزول كلّ لونٍ من ألوان الصراع والتناقض ، لأنّ رضا اللَّه تعالى لا يتناقض ولا يختلف . وبهذا المقياس وحده يمكن إنشاء المجتمع المطمئن المتعاون الذي إن ساده شيء من روح التنافس فإنّما يوجد هذا التنافس على مقدار ما يحصل عليه من رضا اللَّه ، وليس على مقدار ما يكسبه من المصالح الخاصّة والمنافع المادية .
--> ( 1 ) آل عمران : 174