السيد محمد باقر الصدر
86
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
الدليل الآنف الذكر من مجموعة بحوثه . والآن بعد أن أدركنا الدليل الفلسفي للنظرية بشكل جيّد أصبح من الضروري تحليل هذا الدليل ودرسه في حدود الضرورة الفلسفية ، القائلة : إنّ الأحداث لا تنشأ صدفة ( / مبدأ العلّية ) . فهل هذا الدليل الفلسفي صحيح ؟ هل صحيح أنّ التفسير الوحيد الذي تنحلّ به المشكلة الفلسفية للتأريخ هو تفسيره بوسائل الإنتاج ؟ ولكي نمهّد للجواب على هذا السؤال نتناول نقطة واحدة بالتحليل ، تتّصل بوسائل الإنتاج التي اعتبرتها الماركسية السبب الأصيل للتأريخ ، وهذه النقطة هي : أنّ وسائل الإنتاج ليست جامدة ثابتة ، بل هي بدورها أيضاً تتغيّر وتتطوّر على مرّ الزمن ، كما تتغيّر أفكار الإنسان وأوضاعه الاجتماعية ، فتموت وسيلة إنتاج وتولد وسيلة أخرى . فمن حقّنا أن نتساءل : عن السبب الأعمق الذي يطوّر القوى المنتجة ، ويكمن وراء تأريخها الطويل ، كما تساءلنا عن الأسباب والعوامل التي تصنع الأفكار ، أو تصنع الأوضاع الاجتماعية . ونحن حين نتقدّم بهذا السؤال إلى بليخانوف - صاحب الدليل الفلسفي - وأضرابه من كبار الماركسيين لا ننتظر منهم الاعتراف بوجود سبب أعمق للتأريخ وراء القوى المنتجة ؛ لأنّ ذلك يناقض الفكرة الأساسية في المادية التأريخية القائلة : بأنّ وسائل الإنتاج هي المرجع الأعلى في دنيا التأريخ . ولهذا فإنّ هؤلاء حين يجيبون على سؤالنا يحاولون أن يفسّروا تأريخ القوى المنتجة وتطوّرها بالقوى المنتجة ذاتها ، قائلين : إنّ قوى الإنتاج هي التي تطوّر نفسها ، فيتطوّر تبعاً لها المجتمع كلّه . ولكن كيف يتمّ ذلك ؟ وما هو السبيل الذي تنهجه القوى المنتجة لتطوير نفسها ؟ إنّ جواب الماركسية على هذا السؤال جاهز أيضاً ، فهي تقول في تفسير ذلك : إنّ القوى المنتجة - خلال ممارسة الإنسان لها - تولّد وتنمِّي في ذهنه