السيد محمد باقر الصدر

84

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

في قرون أوروبا الوسطى ؟ وكيف شاعت الآراء التي تعارض الملكية الخاصّة في المرحلة التأريخية الحاضرة دون المراحل السابقة ؟ وهنا قد نفسّر - بل من الضروري أن نفسّر - نشوء الآراء وتطوّرها عن طريق الأوضاع الاجتماعية بصورة عامّة ، أو بعض تلك الأوضاع - كالوضع الاقتصادي - بوجه خاصّ ، ولكن هذا لا يعني أنّنا تقدّمنا في حلّ المشكلة الفلسفية شيئاً ؛ لأنّنا لم نصنع أكثر من أنّنا فسّرنا تكوّن الآراء وتطوّرها تبعاً لتكوّن الأوضاع الاجتماعية وتطوّرها . وبذلك انتهينا إلى النقطة التي ابتدأنا بها ، انتهينا إلى الأوضاع الاجتماعية ، التي كنّا نريد منذ البدء أن نفسّرها ، ونستكشف أسبابها . فإذا كانت الآراء وليدة الأوضاع الاجتماعية فما هي الأسباب التي تنشأ عنها الأوضاع الاجتماعية وتتطوّر طبقاً لها ؟ وبكلمة أخرى : ما هو السبب الأصيل للمجتمع والتأريخ ؟ وليس أمامنا في هذا الحال لاستكشاف أسباب الوضع الاجتماعي وتفسيره إلّاأحد سبيلين : الأوّل : أن نرجع إلى الوراء خطوة ، فنكرّر الرأي السابق القائل بتفسير الأوضاع الاجتماعية بمختلف ألوانها السياسية والاقتصادية وغيرها بالأفكار والآراء . ونكون حينئذٍ قد دُرنا في حلقة مفرغة ؛ لأنّنا قلنا أوّلًا : إنّ الآراء والأفكار وليدة الأوضاع الاجتماعية ، فإذا عدنا لنقول : إنّ هذه الأوضاع نتيجة للأفكار والآراء رسمنا بذلك خطّاً دائرياً ، ورجعنا من حيث أردنا أن نتقدّم . وهذا السبيل هو الذي سار فيه المفسّرون المثاليون للتأريخ جميعاً . قال بليخانوف : « وجد هيجل نفسه في ذات الحلقة المفرغة التي وقع فيها علماء الاجتماع والمؤرّخون الفرنسيون ، فهم يفسّرون