السيد محمد باقر الصدر

83

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

أحداث التأريخ المتعاقبة وتياراته الاجتماعية والفكرية والسياسية المختلفة . فمن الملاحظ بكلّ سهولة أنّ المجتمع الأوروبي الحديث - مثلًا - يختلف في محتواه الاجتماعي وظواهره المتنوّعة عن المجتمعات الأوروبية قبل عشرة قرون . فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي الشامل سببه ، وأن نفسّر كلّ تغيّر في الوجود الاجتماعي في ضوء الأسباب الأصيلة التي تصنع هذا الوجود وتغيّره ، كما يدرس العالم الطبيعي فيالحقل الفيزيائي كلّ ظاهرة طبيعية في ضوء أسبابها ، ويفسّرها بعلّتها ؛ لأنّ المجالات الكونية كلّها - الطبيعية والإنسانية - خاضعة لمبدأ العلّية . فما هو السبب إذن لكلّ التغييرات الاجتماعية التي تبدو على مسرح التأريخ ؟ قد يجاب على هذا السؤال : بأنّ السبب هو الفكر أو الرأي السائد في المجتمع ، فالمجتمع الأوروبي الحديث يختلف عن المجتمع الأوروبي القديم ، تبعاً لنوعية الأفكار والآراء الاجتماعية العامة السائدة في كلٍّ من المجتمعين . ولكن هل يمكن أن نقف عند هذا في تفسير التأريخ والمجتمع ؟ إنّنا إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام في تحليلينا التأريخي نجد أنفسنا مرغمين على التساؤل : عمّا إذا كانت آراء البشر وأفكارهم خاضعة لمجرّد المصادفة . ومن الطبيعي أن يكون الجواب على هذا السؤال - في ضوء مبدأ العلّية - سلبياً . فليست آراء البشر وأفكارهم خاضعة للمصادفة ، كما أنّها ليست فطرية تولد مع الناس وتموت بموتهم ، وإنّما هي آراء وأفكار مكتسبة تحدث وتتغيّر ، وتخضع في نشوئها وتطوّرها لأسباب خاصّة ، فلا يمكن إذن اعتبارها السبب النهائي للأحداث التأريخية والاجتماعية ما دامت هي بدورها أحداثاً خاضعة لأسباب وقوانين محدّدة ، بل يجب أن نفتّش عن العوامل المؤثّرة في نشوء الآراء والأفكار وتطوّرها . فلماذا مثلًا ظهر القول بالحرية السياسية في العصر الحديث ، ولم يوجد