السيد محمد باقر الصدر
328
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
وثانياً : وضعت الشريعة مبدأ إشراف وليّ الأمر على النشاط العامّ ، وتدخّل الدولة لحماية المصالح العامّة وحراستها بالتحديد من حرّيات الأفراد فيما يمارسون من أعمال . وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضروريّاً لكي يضمن تحقيق مُثُله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعيّة على مرّ الزمن ، فإنّ متطلّبات العدالة الاجتماعيّة التي يدعو إليها الإسلام تختلف باختلاف الظروف الاقتصاديّة للمجتمع والأوضاع المادّية التي تكتنفه ، فقد يكون القيام بعمل مضرّاً بالمجتمع وكيانه الضروري في زمان دون زمان ، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستوريّة ثابتة ، وإنّما السبيل الوحيد هو فسح المجال لوليّ الأمر ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجِّهة ومحدّدة لحرّيات الأفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع ، وفقاً للمثل الإسلامي في المجتمع . والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخّل هو القرآن الكريم في قوله تعالى : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » « 1 » ، فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح على وجوب إطاعة اولي الأمر . ولا خلاف بين المسلمين في أنّ اولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعيّة في المجتمع الإسلامي ، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم . فللسلطة الإسلاميّة العليا إذن حقّ الطاعة والتدخّل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه ، على أن يكون هذا التدخّل ضمن دائرة الشريعة المقدّسة . فلا يجوز للدولة أو لوليّ الأمر أن يحلّل الربا أو يجيز الغشّ أو يعطّل قانون الإرث أو يلغي ملكيّة ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي ، وإنّما يسمح لوليّ الأمر في الإسلام بالنسبة إلى التصرّفات والأعمال المباحة في الشريعة أن يتدخّل فيها ، فيمنع عنها أو يأمر بها وفقاً للمثل
--> ( 1 ) سورة النساء : 59