السيد محمد باقر الصدر

329

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الإسلامي للمجتمع . فإحياء الأرض واستخراج المعادن وشقّ الأنهار وغير ذلك من ألوان النشاط والاتّجار أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحاً عامّاً ، ووضعت لكلّ عمل نتائجه الشرعيّة التي تترتّب عليه ، فإذا رأى وليّ الأمر أن يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرّفات أو يأمر به في حدود صلاحيّاته كان له ذلك وفقاً للمبدأ الآنف الذكر . وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يطبّق مبدأ التدخّل هذا حين تقضي الحاجة ويتطلّب الموقف شيئاً من التدخّل والتوجيه . ومن أمثلة ذلك : ما جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وآله من أنّه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : إنّه لا يمنع نفع الشيء . وقضى بين أهل البادية : إنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ ، وقال : « لا ضرر ولا ضرار » « 1 » . فإنّ من الواضح لدى الفقهاء : أنّ منع نفع الشيء أو فضل الماء ليس محرّماً بصورة عامّة في الشريعة المقدّسة . وفي هذا الضوء نعرف : أنّ النبيّ لم يحرّم على أهل المدينة منع نفع الشيء أو منع فضل الماء بصفته رسولًا مبلّغاً للأحكام الشرعيّة العامّة ، وإنّما حرّم ذلك بوصفه وليّ الأمر المسؤول عن تنظيم الحياة الاقتصاديّة للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامّة التي يقدّرها . وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبّر عن تحريم النبيّ صلى الله عليه وآله بالقضاء لا بالنهي ، نظراً إلى أنّ القضاء لون من الحكم « 2 » .

--> ( 1 ) وسائل الشيعة 25 : 420 ، الباب 7 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 2 ( 2 ) وقد اعتقد بعض الفقهاء [ مسالك الأفهام 12 : 446 ، وجواهر الكلام 38 : 119 ] في قضاء النبيّ بأن لا يمنع فضل الماء أو نفع الشيء : أنّه نهي كراهةٍ لا نهي تحريم . وإنّما اضطرّوا إلى هذا اللون من التأويل وانتزاع طابع الحتم والوجوب عن قضاء النبيّ ، اعتقاداً منهم بأنّ الحديث لا يتحمّل إلّاأحد معنيين : فإمّا أن يكون نهي النبيّ تحريماً فيصبح منع فضل الماء والكلأ محرّماً في الشريعة ، كتحريم الخمر وغيره من المحرّمات العامّة . وإمّا أن يكون النهي ترجيحاً واستحساناً لسخاء المالك بفضل ماله . ولمّا كان المعنى الأوّل غريباً عن الذهنيّة الفقهيّة فيجب الأخذ بالتفسير الثاني . ولكنّ هذا في الواقع لا يبرّر تأويل قضاء النبيّ وتفسيره بالترجيح والاستحسان ما دام من الممكن أن نحتفظ لقضاء النبيّ بطابع الحتم والوجوب ، كما يشعّ به اللفظ ، ونفهمه بوصفه حكماً صدر من النبيّ بما هو وليّ الأمر ، نظراً إلى الظروف الخاصّة التي كان المسلمون يعيشونها ، وليس حكماً شرعيّاً عامّاً كتحريم الخمر أو الميسر . ( المؤلّف قدس سره )