السيد محمد باقر الصدر

204

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

وتعتبر هذه النظريّة نقطة البدء عند ( ريكاردو ) و ( ماركس ) معاً في دراستهما التحليليّة لهيكل الاقتصاد الرأسمالي . فقد جعل كلّ منهما منها القاعدة التي يقوم عليها بناؤه العلمي . ولئن كان ريكاردو قد سبق ماركس إلى وضع هذه النظريّة في صيغة علميّة محدّدة ، فقد سبقهما معاً عدّة مفكّرين اقتصاديّين وفلسفيّين إلى التنويه بها ، كالفيلسوف الإنكليزي ( جون لوك ) الذي أشار إلى هذه النظريّة في بحوثه ، ثمّ أخذ بها ( آدم سميث ) الاقتصادي الكلاسيكي المعروف في حدود ضيّقة ، فاعتبر العمل أساساً للقيمة التبادليّة بين الجماعات البدائيّة . غير أن ( ريكاردو ) كان بحقّ هو الذي أعطى النظريّة معنى الشمول والاستيعاب ، وآمن بأنّ العمل هو المصدر العامّ للقيمة التبادليّة ، ثمّ جاء ماركس يسير في طريقه بأسلوبه الخاصّ . وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - أنّ ( ماركس ) لم يصنع شيئاً في حقل هذه النظريّة سوى ترديد الصدى الذي تركه ريكاردو ، بل إنّه حين أخذ النظريّة منه صاغها في إطاره الفكري الخاصّ ، فأدخل على بعض جوانبها إيضاحات جديدة وضمّنها عناصر ماركسيّة ، وقَبِل بعض جوانبها الأخرى كما تركها سلفه . ف ( ريكاردو ) حين آمن بهذه النظريّة ( العمل أساس القيمة ) أدرك أنّ العمل لا يحدّد القيمة في حالات الاحتكار التي تنعدم فيها المنافسة ؛ إذ أنّ من الممكن في هذه الحالات أن تتضاعف قيمة السلعة المحتكرة وفقاً لقوانين العرض والطلب دون أن تزيد كمّيات العمل المنفقة عليها ؛ ولأجل هذا اعتبر المنافسة الكاملة شرطاً أساسيّاً لتشكّل القيمة التبادليّة على أساس العمل ، وهذا ما قاله ماركس أيضاً معترفاً بأنّ النظريّة لا تنطبق على حالات الاحتكار . ولاحظ ريكاردو أيضاً أنّ العمل البشري يتفاوت في كفايته ، فساعة من عمل الصانع الذكي النشيط لا يمكن أن تساوي ساعة من عمل الصانع البليد