السيد محمد باقر الصدر
191
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
الأفكار المناهضة له بسخرية لاذعة واستخفاف بالغ ، وانتهى من سخريته إلى أنّ الادّخار لا يكفي وحده تعليلًا لوجود الطبقة الرأسماليّة ، وإنّما يجب لكي نصل إلى سرّ التراكم الرأسمالي الأوّل الذي قامت على أساسه الطبقة الجديدة أن نفحص مضمون النظام الرأسمالي نفسه ، ونفتّش في أعماقه عن ذلك السرّ المعقّد . ويستعين ماركس هنا بموهبته الفذّة في التعبير وسيطرته على التصرّف بالألفاظ كيف شاء للتدليل على وجهة نظره ، فيقرّر : أنّ النظام الرأسمالي يبرز لنا علاقة من نوع خاصّ بين الرأسمالي الذي يملك وسائل الإنتاج وبين الأجير الذي يتخلّى بحكم تلك العلاقة عن كلّ حقّ من حقوق الملكيّة على منتوجه ، لا لشيء إلّالأنّه لا يملك سوى طاقة عمليّة محدودة ، بينما يملك الرأسمالي جميع الشروط الخارجيّة اللازمة : المادّة والأدوات ونفقات المعيشة لتجسيد تلك الطاقة . فموقف الأجير في النظام الرأسمالي إنّما هو نتيجة لفقده وسائل الإنتاج التي يتمتّع بها الرأسمالي وانفصاله عنها ، ومعنى هذا : أنّ أساس العلاقة الرأسماليّة يقوم على الانفصال الجذري بين وسائل الإنتاج والأجير بالرغم من أنّه هو المنتج الذي يباشر تلك الوسائل . فهذا الانفصال هو الشرط الضروري تاريخيّاً لتكوّن العلاقات الرأسماليّة . فلكي يولد النظام الرأسمالي يجب إذن أن يكون قد جرى بالفعل انتزاع وسائل الإنتاج من المنتجين ، دون أخذ ولا ردّ أولئك المنتجين الذين كانوا يستخدمونها لتحقيق عملهم الخاصّ ، ويجب أن تصبح هذه الوسائل المنتجة محصورة في أيدي التجاريّين الرأسماليّين . فالحركة التاريخية التي تحقّق الانفصال بين المنتج ووسائل الإنتاج وتحصر هذه الوسائل في أيدي التجاريّين هي إذن مفتاح السرّ للتراكم الرأسمالي الأوّل . وقد تمّت هذه الحركة التاريخيّة بأساليب : من الاستعباد ، والاغتصاب المسلّح ، والنهب ، وألوان العنف ، دون أن يساهم في إنجازها التدبير ، والاقتصاد ، والكياسة ، والذكاء ، كما تتخيّل مراجع