السيد محمد باقر الصدر
149
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
تاريخية تتكيّف اقتصاديّاً وفقاً لأساليبها في الإنتاج ، وتساهم في الحركة العلمية في المدى الذي يفرضه واقعها الاقتصادي وحاجاتها المادّية النابعة من هذا الواقع ، فاكتشاف العلم للقوّة البخاريّة المحرّكة في أواخر القرن الثامن عشر مثلًا ، كان وليد الظروف الاقتصادية ، ونتيجة لحاجة الإنتاج الرأسمالي إلى قوّة ضخمة لتحريك الآلات التي يعتمد عليها هذا الإنتاج ، وكذلك سائر الكشوف والتطوّرات التي يحفل بها تاريخ العلم . وقد ذكر ( روجيه غارودي ) لإيضاح تبعيّة العلوم للوضع الاقتصادي والتكنيكي للقوى المنتجة : أنّ المستوى التكنيكي الذي تبلغه القوى المنتجة هو الذي يضع أمام العلم قضايا ، ويحتّم عليه بحثها وحلّها ، فيتقدّم ويتكامل وفقاً لما يعالجه من هذه القضايا النابعة من تطوّر القوى المنتجة ووضعها الفنّي والتكنيكي . وعلى هذا الأساس يفسّر لنا ( غارودي ) كيف أنّ اكتشافاً واحداً قد يتوصّل إليه عدّة علماء في آن واحد ، كاكتشاف التعادل بين الحرارة والعمل الذي حقّقه علماء ثلاثة في وقت واحد ، وهم : ( كارنو ) في فرنسا ، و ( جول ) في إنكلترا ، و ( ماير ) في ألمانيا . وكما يقدّم تطوّر القوى المنتجة بين يدي العلم القضايا التي يجب عليه حلّها كذلك يعبّر لنا ( غارودي ) عن وجه آخر من تبعيّة العلوم لوضع القوى المنتجة ، وهو أنّ تطوّرها يهيّئ للعلم أدوات البحث التي يستخدمها ، ويؤمّن له مجموعة الأدوات الضروريّة للمراقبة والاختبار « 1 » . وفيما يلي نلخّص ملاحظاتنا على هذا الموقف الماركسي في تفسير العلم : أ - إذا استثنينا العصر الحديث نجد أنّ المجتمعات التي سبقته إلى الوجود ، كانت متقاربة إلى حدّ كبير في وسائل الإنتاج وأساليبه ، ولم يكن بينها أيّ فرق
--> ( 1 ) راجع الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : 11 - 12