السيد محمد باقر الصدر
148
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
إلّا في حدود هذه المصالح . فلا يمكن للماركسيّة حين تقدّم لنا مفهومها عن الكون والمجتمع أن تزعم لهذا المفهوم القدرة على تصوير الواقع ، وإنّما كلّ ما تستطيع أن تقرّره هو : أنّه يعكس ما يتّفق مع مصالح الطبقة العاملة من جوانب الواقع . فمعيار الحقيقة عند كلّ مدرسة فكريّة هو مدى اتّفاق الفكرة مع المصالح الطبقيّة التي تدافع عنها ، وبهذا تصبح الحقيقة نسبيّة تختلف من مفكّر إلى آخر ، ولكن لا بحسب التركيب العضوي والنفسي للأفراد ، بل بحسب التركيب الطبقي والمصالح الطبقيّة التي ينتمون إليها . فالحقيقة نسبيّة طبقيّة تختلف باختلاف الطبقات ومصالحها ، وليست نسبيّة موضوعيّة ، ولا يمكن التأكّد من احتواء الحقيقة على جانب موضوعي من الواقع أو تحديد هذا الجانب فيها ، ما دامت الماركسيّة لا تأذن للتفكير - مهما كان لونه - أن يتجاوز حدود المصالح الطبقيّة ، وما دامت المصالح الطبقيّة توحي دائماً بما يشايعها من أفكار بقطع النظر عن خطئها وصوابها ، وينتج من ذلك شكّ مطلق مرير في كلّ الحقائق الفلسفيّة . ج - العلم : ولا أريد أن أقف عند الأفكار العلميّة طويلًا ؛ خوفاً من الإسهاب ، ولكنّنا لن نستمع - مهما وقفنا - إلّانفس النغمة التي كانت تردّدها الماركسيّة في الحقل الفلسفي ، وفي كلّ مرفق من مرافق الوجود الإنساني ، فالعلوم الطبيعية - في رأيها - تتدرّج وتنمو طبقاً للحاجات الماديّة التي يتفتّح عنها الوضع الاقتصادي ، وتستجدّ شيئاً فشيئاً تبعاً لتطوّر الظروف الاقتصادية وتكاملها . ولمّا كانت هذه الظروف نتاجاً تاريخياً لوضع القوى المنتجة وأساليب الإنتاج فلا غرو أن تصل الماركسية في تفسيرها للحياة العلمية إلى الإنتاج أيضاً ، كما تصل إليه عند نهاية كلّ شوط في تحليل حركة التاريخ وعمليّته المتعدّدة الجوانب . فكلّ مرحلة