السيد محمد باقر الصدر

138

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

والألماني ، وكانت القوى الاقتصاديّة الفتيّة في إنكلترا ( / قوى البورجوازية ) في نموّ مستمرّ لا يشبهه وضعها في البلدان الأخرى . وبكلمة مختصرة : إنّ الوضع الاجتماعي لإنكلترا بشروطه الاقتصادية والسياسية كان أعلى درجة - في سلّم التطوّر التاريخي الذي تؤمن به الماركسية - من فرنسا وألمانيا ؛ بدليل أنّ إنكلترا بدأت ثورتها التحرّرية سنة ( 1215 م ) ، وخاضت في منتصف القرن السابع عشر ( 1648 م ) ثورتها الكبرى بقيادة ( كرومويل ) « 1 » ، بينما لم تتهيّأ في فرنسا ظروف الثورة الحاسمة إلّاسنة ( 1789 م ) ، ولا في ألمانيا إلّاعام ( 1848 م ) ، وهذه الثورات بوصفها ثورات بورجوازية منبثقة عن درجة التطوّر الاقتصادي في رأي الماركسية تبرهن بما تشير إليه من تفاوت زمني بينها على سبق إنكلترا في المجال الاقتصادي . وإذا كانت إنكلترا هي الدولة المتطوّرة اقتصادياً أكثر من غيرها فمن الطبيعي - على أساس النظرية الماركسية - أن تسبق غيرها من البلدان في المضمار الفلسفي ، وتصبح أكثر تقدّمية منها في اتّجاهها الفلسفي . والاتّجاه التقدّمي في الفلسفة - عند الماركسية - هو الاتّجاه المادّي ، وأكثر ما يكون الاتّجاه المادّي تقدّمياً حين يقوم على أساس التطوّر والحركة . وهنا نتساءل : أين ولدت المادّية وشبّت ؟ وفي أيّ مجتمع ظهرت تباشيرها ثمّ اندلعت عاصفتها ؟ وتبدو لنا الماركسية هنا في موقف حرج ؛ لأنّ نظريّتها في تفسير الفلسفة على أساس العامل الاقتصادي تدعوها إلى القول : بأنّ تقدّم إنكلترا الاقتصادي كان يفرض عليها أن تظهر على المسرح الفلسفي بالاتّجاه التقدّمي أو الاتّجاه المادّي بتعبير آخر . ولهذا حاول ماركس القول : بأنّ المادّية ولدت في إنكلترا على يد

--> ( 1 ) راجع قصّة الحضارة 32 : 5 - 44