السيد محمد باقر الصدر

137

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الكون على أسس فلسفية تجريدية « 1 » ، وقد أثبت ذلك يوم كانت وسائل الإنتاج ثابتة بشكلها التقليدي على مرّ الزمن ، وكان كلّ شيء في الحياة الاجتماعية ساكناً ثابتاً ، غير أنّ الدليل الفلسفي دفع فيلسوفنا الشيرازي إلى التأكيد على قانون التطوّر في الطبيعة بالرغم من ذلك كلّه . فلا علاقة حتمية إذن بين المفاهيم الفلسفيّة والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة . وهناك شيء آخر له مغزاه الخاصّ بهذا الصدد ، وهو : أنّ الوضع الاقتصادي لقوى الإنتاج وعلاقاته لو كان هو الأساس الحقيقي الوحيد لتفسير الحياة العقلية للمجتمع بما فيها الأفكار الفلسفيّة لكانت النتيجة الطبيعية لذلك أنّ التطوّرات الفلسفيّة تواكب في حركتها التقدّمية تطوّر الوضع الاقتصادي ، وتجري وفقاً لحركة التكامل في علاقات الإنتاج وقواه ، ويصبح من الضروري بموجب ذلك أن تنبع الاتّجاهات التقدّمية في الفلسفة ، وأن تتولّد الثورات الفلسفيّة الكبرى في أرقى المجتمعات من الناحية الاقتصادية ، فيكون نصيب كلّ مجتمع من التفكير التقدّمي والفلسفة الثورية بمقدار حظّه من التطوّر الاقتصادي والسبق في ظروف الإنتاج وعلاقاته . فهل تنسجم هذه النتيجة مع الواقع التاريخي للفلسفة ؟ هذا ما نريد معرفته الآن . ولنأخذ حالة أوروبا عندما لاحت في الأفق الأوروبي تباشير الثورة الفكريّة الجديدة . فقد كانت إنكلترا تتمتّع بدرجة عالية نسبيّاً من التطوّر الاقتصادي لم تظفر بنظيرها فرنسا ولا ألمانيا ، وكان الشعب الإنكليزي قد ظفر بمكاسب سياسية خطيرة لم يكن قد حصل على شيء منها الشعب الفرنسي

--> ( 1 ) الأسفار الأربعة 3 : 61 - 67 ، الفصل 19 و 20