السيد محمد باقر الصدر

135

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الأعضاء الحاجات ، وتحدث الحاجات الأعضاء . . . فهل استقى ( ديدرو ) هذا المفهوم الفلسفي للتطوّر من الانقلابات الثورية في الأدوات المنتجة التي لم تكن قد تعاقبت بعد على مسرح الإنتاج ؟ ! صحيح أنّ التغييرات الجذرية على الصعيد الإنتاجي كانت تهيّئ الأذهان إلى حدّ ما لقبول فكرة التطوّر الفلسفي وتطبيقها على كلّ مرافق الكون ، ولكنّ هذا لا يعني السببية الضرورية وربط التطوّر الفلسفي بتطوّر الإنتاج ربطاً حتميّاً لا يأذن له بالتقدّم أو التأخّر ، وإلّا فكيف سمحت هذه الحتمية المزعومة ل ( ديدرو ) أن يسبق تطوّر الإنتاج ؟ ! بل كيف سمحت لفلاسفة عاشوا قبل ذلك بأكثر من ألفي سنة أن يجعلوا من التطوّر قاعدة فلسفية لهم ؟ ! فهذا هو الفيلسوف اليوناني ( أناكسِمَنْدَر ) - الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد « 1 » - جاء بمفهوم فلسفي عن التطوّر لا يختلف في جوهره عن مفاهيم التطوّر في عصر الإنتاج الرأسمالي . فقد قال : إنّ الكائنات كانت أوّل أمرها منحطّة ، ثمّ سارت في طريق التطوّر درجات أعلى فأعلى بما فطر فيها من دافع غريزي يدفعها إلى الملاءمة بين أنفسها والبيئة الخارجيّة . فالإنسان مثلًا كان حيواناً يعيش في الماء ، فلمّا انحسر الماء اضطرّ هذا الحيوان المائي إلى ملاءمة البيئة ، فاكتسب على مرّ الزمن أعضاء صالحة للحركة على الأرض اليابسة ، وهكذا حتّى أصبح إنساناً « 2 » . وفيلسوف آخر كانت له مساهمة كبيرة في مفاهيم التطوّر الفلسفي ، حتّى اعتبرته الماركسية شارحاً رائعاً لجوهر الديالكتيك ورأيه في التطوّر ، وهو

--> ( 1 ) ولد سنة 611 ق م . وتوفّي سنة 547 ق . م تقريباً . ( المؤلّف قدس سره ) . انظر المورد 1 : 105 ( 2 ) قصّة الحضارة 6 : 253 - 255