السيد محمد باقر الصدر

131

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

كما ظهر في فرنسا الزعيم الثاني للحركة في شخص ( كالفن ) البروتستانتي العنيد ، الذي جرت في فرنسا على عهده عدّة مذابح واشتباكات مروّعة بين الكاثوليك والبروتستانت ، ووقف الأمير الألماني ( وليم اورانج ) يدافع عن الحركة الجديدة بجيش جرّار « 1 » . صحيح أنّ إنكلترا بعد ذلك تبنّت البروتستانتية رسمياً ولكنّها لم تكن - بحال - من نسيج وعيها البورجوازي ، وإنّما كانت نتيجة وعي عاش في بلاد إقطاعية « 2 » . وإذا أخذنا فكرة الماركسية عن التطوّر التأريخي للأديان لنطبّقها على الإسلام - الدين العالمي الآخر - لوجدنا مدى التناقض الفاضح بين الفكرة والواقع . فلئن كانت أوروبا دولة عالمية تتطلّب ديناً عالمياً فلم تكن في جزيرة العرب دولة عالمية كذلك ، بل لم تكن توجد دولة قومية تضمّ الشعب العربي ، وإنّما كان العرب موزّعين فئات متعدّدة ، وكان لكلّ قبيلة إلهها الذي تؤمن به ، وتتذلّل إليه وتصنعه من الحجر ، ثمّ تُدين له بالطاعة والعبودية ، فهل كانت هذه الظروف المادية والسياسيةتدعو إلى انبثاق دين عالمي واحد من قلب تلك الجزيرة المبضّعة ، وهي بعد لم تعرف كيف تدرك وجودها كقوم وشعب ، فضلًا عن أن تعي وحدة من نمط أرقى تتمثّل في دين يوحّد العالم برمّته ؟ ! وإذا كانت الآلهة الدينية تتطوّر من آلهة قومية إلى إله عالمي تبعاً للحاجات المادية والأوضاع السياسية فكيف طفر العرب من آلهة قبلية يصنعونها بأيديهم إلى إله عالمي دانوا له بأعلى درجات التجريد ؟ !

--> ( 1 ) قصّة الحضارة 24 : 235 - 239 ( 2 ) المصدر السابق 28 : 20