السيد محمد باقر الصدر
130
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
وأن تنشأ حركة الإصلاح الديني في أكثر المجتمعات الأوروبية تطوّراً ونموّاً من الناحية البورجوازية ، مع أنّ الواقع التأريخي يختلف عن ذلك تماماً . فالمسيحية لم تنشأ في نقاط التمركز السياسي ، ولم تولد في أحضان الرومان الذين بنوا الدولة العالمية وكانوا يعبّرون في نشاطاتهم عنها ، وإنّما نشأت بعيدة عن ذلك كلّه في إقليم من الأقاليم الشرقية المستعمرة للرومان ، ونمت بين شعب يهودي مضطهد ، لم يكن - منذ استعمرته الإمبراطورية على يد القائد الروماني ( بمبي ) قبل الميلاد بستّة عقود - يحلم إلّابالاستقلال القومي ، وتحطيم الأغلال التي تربطه بالمستعمرين ، الأمر الذي كلّفه كثيراً من الثورات وعشرات الألوف من الضحايا خلال تلك العقود الستّة ، فهل كانت ظروف هذا الشعب المادية والسياسية والاقتصادية جديرة بأن تتمخّض عن الدين العالمي الذي يلبّي حاجات الإمبراطورية المستعمرة ؟ ! وحركة الإصلاح الديني التي نشأت عن طلائع التحرّر الفكري في أوروبا ، هي الأخرى لم تكن وليدة القوى البورجوازية وإن حصلت منها البورجوازية على مكاسب ، غير أنّ هذا لا يعني أنّها بوصفها إيديولوجية معيّنة قد نشأت عن مجرّد التطوّر الاقتصادي البورجوازي ، وإلّا لكانت إنكلترا أجدر بها من البلاد التي انبثقت عنها حركة الإصلاح ؛ لأنّ البورجوازية في إنكلترا كانت أقوى منها في أيّ بلد اوروبي آخر . والتطوّر الاقتصادي والسياسي الذي أحرزته خلال ثورات منذ عام ( 1215 ) جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى ، وبالرغم من ذلك لم يظهر « لوثر » في إنكلترا استجابة للوعي البورجوازي فيها ، وإنّما ظهر بعيداً عنها ، ومارس نشاطه ودعوته في ألمانيا « 1 » ،
--> ( 1 ) راجع قصّة الحضارة 24 : 170 وما بعدها