السيد محمد باقر الصدر
69
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
كما أنّ علمك غير المحدّد بأنّ أحد كتب التأريخ قد فقد من مكتبتك لا يمكن أن يكون نتيجة لتفتيش شامل للمكتبة كلّها ، إذ في هذه الحالة سوف تعرف عادةً الكتاب المفقود بالضبط ، ولن يكون النفي لديك غير محدّد ، فيجب أن يكون هذا العلم نتيجة لشيء آخر . ونحن إذا درسنا الظروف التي ينشأ فيها العلم بنفي غير محدّد ( العلم الإجمالي ) نجد أنّ هذا العلم يتولّد في حالتين : الأولى : أن يدرك الإنسان التمانع بين شيئين أو مجموعة من الأشياء ، فيعلم على هذا الأساس بنفي غير محدّد ، أي بأنّ واحداً منها على الأقلّ غير موجود ؛ لأنّ افتراض وجودها جميعاً لا ينسجم مع التمانع الثابت بينها . ومثال ذلك : العلم بنفي أحد اللونين على الأقلّ - البياض أو السواد - عن الورقة ، فإنّ هذا العلم نشأ عن إدراك التمانع بين السواد والبياض ، واستحالة اجتماعهما « 1 » . والعلم في هذه الحالة ينصبّ بطبيعته على عدم اجتماع السواد والبياض ، والمعلوم بهذا العلم هو عدم اجتماع اللونين ، لا عدم هذا ولا عدم ذاك . الحالة الثانية : أن لا يدرك الإنسان أيّ تمانع بين وجود هذا الشيء ووجود ذاك ، ومع هذا يعلم بأنّ أحدهما على الأقلّ غير موجود ، ومثال ذلك علمك بأنّ أحد كتب التأريخ ( للطبري أو ابن الأثير أو اليعقوبي ) قد فقد من مكتبتك ، إذا دخلت إلى المكتبة ورأيت فراغاً في رفّ كتب التأريخ ، ولم تقترب
--> ( 1 ) ومن خصائص هذا القسم من العلم الإجمالي أنّ المعلوم بالإجمال فيه ليس معيّناً حتّى في ذات الواقع ، ولهذا لو كان كلا اللونين منتفياً في الواقع لم يمكن تعيين المعلوم بالإجمال في أحدهما دون الآخر ( لجنة التحقيق )