السيد محمد باقر الصدر
63
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
تكرّر الصدفة النسبيّة باستمرار في عدد معيّن من التجارب ، أي يثبت أنّ الصدف النسبيّة المتماثلة لا تتتابع خلال عدد معيّن من التجارب باستمرار . النقطة الجوهريّة في الخلاف : والنقطة الجوهريّة في خلافنا مع المنطق الأرسطي : أنّا وإن كنّا لا نرفض بشكل كامل الاعتقاد بالمبدأ الذي تقرّره النقطة الثالثة ، ولا ننكر صدقه - في حدودٍ مّا - على الطبيعة ، ولكنّا نختلف مع المنطق الأرسطي في تقييم هذا المبدأ . فإنّ المنطق الأرسطي يعتبر هذا المبدأ أساساً للاستدلالات الاستقرائيّة ، وهذا يعني ضمناً أنّه مبدأ عقلي قبلي ، أي أنّه مدرك للعقل بصورة مستقلّة عن الاستقراء والتجربة ؛ لأنّه إذا كان مستخلصاً من الاستقراء والتجربة فلا يمكن أن يعتبر أساساً للاستدلال الاستقرائي ، وشرطاً ضروريّاً للتعميمات الاستقرائيّة ، إذ يصبح هو بنفسه واحداً من تلك التعميمات الاستقرائيّة ، فيتوجّب على المنطق الأرسطي - وهو يحاول أن يتّخذ من ذلك المبدأ أساساً منطقيّاً للاستدلال الاستقرائي عموماً - أن يمنحه طابعاً عقليّاً خالصاً ، ويؤمن به بوصفه معرفة عقليّة قبليّة مستقلّة عن الاستقراء والتجربة . وهنا تكمن النقطة الجوهريّة في خلافنا مع المنطق الأرسطي ؛ لأنّنا نرى أنّ المبدأ الذي ينفي تكرّر الصدفة النسبيّة باستمرار ليس معرفة عقليّة قبليّة ، بل هو - إذا قبلناه - ليس على أفضل تقدير ، إلّانتاج استقراء للطبيعة ، كشف عن عدم تكرّر الصدفة النسبيّة فيها على خطٍّ طويل ، وإذا كان هذا المبدأ بنفسه معطىً استقرائيّاً فلا يمكن أن يكون هو الأساس للاستدلال الاستقرائي ، بل يتوجّب عندئذٍ الاعتراف بأنّ الأمثلة التي يعرضها الاستقراء كافية للاستدلال على قضيّة كليّة وتعميم استقرائي ، دون حاجة إلى إضافة ذلك المبدأ الأرسطي إليها .